
رقمنة
* وصفي الصفدي
لقد أعادت “حرب الرقائق” العالمية في منتصف هذا العقد صياغة قواعد الاقتصاد الدولي. لم تعد صناعة أشباه الموصلات مجرد صراع تقني، بل أصبحت حجر الزاوية في “الأمن القومي” و”الاستقلال الاستراتيجي” للدول. وفي عام 2026، ومع وصول مبيعات أشباه الموصلات عالمياً إلى حاجز التريليون دولار، تبرز فرصة تاريخية للأردن ليتحول من بلد مستهلك للتكنولوجيا إلى لاعب أساسي في سلاسل التوريد العالمية.
الذهب الأبيض: رمال السيليكا الأردنية فائقة النقاء
تعتمد صناعة الرقائق الإلكترونية في جوهرها على عنصر السيليكون. وفي حين تمتلك دول كثيرة رمالاً، ينفرد الأردن بامتلاك رمال سيليكا في مناطق رأس النقب ودبة حانوت بنقاوة تتجاوز .
في السابق، كان الأردن يصدر هذه الرمال كمادة خام منخفضة القيمة. أما اليوم، ومع استراتيجية التحديث الاقتصادي 2026-2028، تبرز الحاجة لتحويل هذا الخام إلى “سيليكون أخضر” (Refined Polysilicon) باستخدام الطاقة الشمسية الوفيرة في المملكة. هذا النوع من السيليكون المكرر هو المطلب الأول حالياً لشركات التكنولوجيا الغربية التي تسعى لتحقيق أهداف الاستدامة الصارمة (ESG).
“مفتاح العبور”: اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة
في ظل التوترات التجارية المتزايدة، يبحث المصنعون العالميون عن “ملاذات آمنة” للتصنيع (Friend-shoring). وهنا يبرز الأردن كخيار استراتيجي بفضل اتفاقية التجارة الحرة (FTA) مع الولايات المتحدة.
بينما تواجه الرقائق المصنعة في مناطق النزاع التجاري تعرفة جمركية تصل إلى 25%، يمكن للرقائق “المصممة أو المجمعة في الأردن” دخول السوق الأمريكية بإعفاء جمركي كامل. هذا الامتياز يجعل من الأردن وجهة لا تقاوم لشركات مثل “إنتل” أو “إنفيديا” لإنشاء مراكز اختبار وتغليف (ATP) أو مكاتب تصميم إقليمية.
من “هجرة العقول” إلى “استقطاب المواهب”
يمتلك الأردن واحدة من أعلى نسب المهندسين لكل فرد في المنطقة. وفي عام 2026، لم يعد المطلوب بناء مصانع بمليارات الدولارات منذ اليوم الأول؛ بل الاستثمار في تصميم الدوائر المتكاملة (IC Design).
المهندس الأردني، بقدرته المثبتة على التكيف مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، هو الوقود الحقيقي لهذه الصناعة. من خلال إنشاء “بيوت تصميم” في عمان، يمكن للأردن تصدير العقول والابتكارات بدلاً من تصدير الرمال فقط.
“الأردن لا يحتاج لبناء ‘مصنع ضخم’ (Mega-Fab) بتكلفة 20 مليار دولار في المرحلة الأولى؛ بل يمكنه الهيمنة على مراحل التصميم والاختبار والتغليف، وهي الحلقات الأكثر ربحية في سلسلة القيمة.”
خارطة الطريق: الاستراتيجية الوطنية للرقائق (2026-2030)
لتحقيق هذه الرؤية، يقترح الخبراء خطة من ثلاث مراحل:
1. المرحلة الأولى: مركز التصميم الإقليمي (عاجل): إطلاق مركز وطني لتصميم الرقائق، وتوفير تراخيص برمجيات التصميم (EDA) مدعومة من الحكومة لجذب الشركات الناشئة والعالمية.
2. المرحلة الثانية: التجميع والاختبار (سنوات 2-4): استغلال المناطق الاقتصادية في العقبة لتكون مركزاً لوجستياً لتجميع الرقائق وتغليفها، مستفيدة من ميناء العقبة والوصول المباشر للأسواق الغربية.
3. المرحلة الثالثة: السيليكون المتكامل (سنوات 5+): بناء مصافي السيليكون التي تعمل بالطاقة المتجددة، لتكون الدورة كاملة من “الرمل إلى الرقاقة” داخل الأراضي الأردنية.
الخاتمة: اللحظة هي الآن
خارطة التكنولوجيا العالمية تُرسم اليوم من جديد. إذا استطاع الأردن مواءمة سياساته الصناعية مع “حرب الرقائق” الحالية، فإنه لن يبني قطاعاً اقتصادياً جديداً فحسب، بل سيجعل من نفسه حلقة وصل لا غنى عنها في الأمن التكنولوجي العالمي.
رمال الجنوب لم تعد مجرد تضاريس؛ إنها حجر الأساس لمملكة السيليكون القادمة.
*الخبير في مجال التقنية والاتصالات




