
رقمنة
سجّل الاقتصاد الأردني نموًا حقيقيًا بنسبة 2.8 بالمئة خلال الربع الثالث من عام 2025، في أداء يعكس تحسنًا ملموسًا في النشاط الاقتصادي الوطني، رغم ما تشهده المنطقة من تحديات إقليمية معقدة تتصل بالحروب واضطراب سلاسل التوريد وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء.
ويشير هذا الأداء إلى قدرة الاقتصاد الأردني على التكيّف مع المتغيرات الخارجية وامتصاص الصدمات، والانتقال تدريجيًا من نمط إدارة الأزمات إلى مسار تعافٍ أكثر تماسكًا واستقرارًا، مدعومًا بتحسن بنية النمو وتماسك السياسات الاقتصادية والنقدية.
وأكد أكاديميون اقتصاديون، في تصريحات لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن النمو المسجل لا يمكن قراءته بوصفه تحسنًا محاسبيًا عابرًا، بل نتيجة مسار تراكمي بدأ منذ نهاية عام 2024، ويستند إلى توسع مساهمة القطاعات الإنتاجية الحقيقية، وفي مقدمتها الصناعات التحويلية والتعدين والزراعة، إضافة إلى دور الاستقرار النقدي والسياسات المالية المتحفظة في توفير بيئة اقتصادية داعمة للنمو دون توليد ضغوط تضخمية مرتفعة. وأجمعوا على أن التحدي الرئيس يتمثل في تعزيز جودة النمو واستدامته وربطه بخلق فرص عمل حقيقية ومعالجة التحديات الهيكلية، وعلى رأسها البطالة وارتفاع المديونية العامة.
وقال أستاذ المالية في جامعة آل البيت الدكتور عمر الغرايبة، إن تسجيل الاقتصاد الأردني نموًا بنسبة 2.8 بالمئة خلال الربع الثالث من عام 2025، وفي لحظة إقليمية بالغة التعقيد، يمنح هذا الأداء وزنًا استراتيجيًا يتجاوز حجمه العددي. وأوضح أن هذا الرقم لا يُقرأ باعتباره تحسنًا محاسبيًا عابرًا، بل باعتباره انتقالًا نوعيًا من اقتصاد إدارة الأزمات إلى اقتصاد التعافي المتماسك، حيث بات الأردن قادرًا على امتصاص الصدمات الخارجية بدل الانكماش أمامها.
وأشار الغرايبة إلى أن أهمية هذا النمو تتضح بشكل أكبر عند وضعه في سياقه المقارن، لافتًا إلى أن رؤية التحديث الاقتصادي تستهدف معدلات نمو تتراوح بين 3.5 و4 بالمئة لخفض البطالة والدين العام بصورة ملموسة. وبيّن أن الأداء الأردني جاء قريبًا من اقتصادات إقليمية مماثلة، إذ سجل المغرب نحو 2.8 بالمئة، ومصر قرابة 4.5 بالمئة، فيما بقيت تونس دون 2.4 بالمئة، ما يضع الأردن في منتصف السلم الإقليمي؛ متقدمًا على الاقتصادات المأزومة، وإن كان لا يزال دون المستوى الكفيل بتحقيق التشغيل الكامل للاقتصاد، ما يعني أن فجوة الناتج تضيق لكنها لم تُغلق بعد.
وأكد الغرايبة أن القيمة الحقيقية للنمو لا تكمن في نسبته بل في خريطته الداخلية، موضحًا أن الصناعات التحويلية أسهمت بنحو 0.9 نقطة مئوية من النمو، مدفوعة بارتفاع الإنتاج والتصدير، فيما ساهم قطاع التعدين بنحو 0.5 نقطة مئوية مستفيدًا من الطلب العالمي المتزايد على الفوسفات والبوتاس، وأضاف القطاع الزراعي قرابة 0.4 نقطة مئوية في ظل تصاعد الصادرات الغذائية نتيجة أزمة الأمن الغذائي الإقليمي.
ولفت إلى أن نحو ثلثي النمو جاء من قطاعات إنتاجية مولِّدة للعملة الصعبة، لا من الاستهلاك أو التوسع المالي، ما يمثل تحولًا بنيويًا في طبيعة الاقتصاد الأردني.
وأوضح أن هذا التحول يمنح التعافي الاقتصادي صفة الصلابة لا الهشاشة، إذ إن الاقتصادات التي تقودها الصناعة والزراعة والتعدين تكون أقدر على حماية عملتها وتمويل وارداتها وخلق فرص عمل مستدامة، مقارنة باقتصادات تعتمد على الطلب الاستهلاكي والديون. وأضاف أن الأردن استفاد من اضطراب سلاسل التوريد العالمية لإعادة تموضعه كمورد بديل في عدد من السلع، ما عزز الصادرات واحتياطيات النقد الأجنبي وقلّص هشاشة الاستقرار النقدي.
وفي المقابل، حذّر الغرايبة من استمرار الرياح المعاكسة، مشيرًا إلى أن معدل البطالة المرتفع، الذي يقترب من 21.4 بالمئة، لا يمكن خفضه بنمو يقل عن 3 بالمئة، كما أن عبء الدين العام يقيّد قدرة الدولة على ضخ استثمارات تنموية واسعة. وأضاف أن أي تصعيد إقليمي أو تباطؤ عالمي جديد قد يضغط على مسار التعافي، ما يجعل استدامة الإصلاحات الاقتصادية شرطًا حاسمًا للحفاظ على زخم النمو.
من جانبه، قال دكتور الاقتصاد في جامعة البلقاء ساهر العدوس، إن بلوغ معدل النمو الاقتصادي في الأردن نسبة 2.8 بالمئة خلال الربع الثالث من عام 2025 يعكس تحسنًا تدريجيًا ومستقرًا في أداء الاقتصاد الوطني، ويؤكد قدرة الاقتصاد الأردني على التكيف مع الظروف الإقليمية غير المستقرة، لا سيما في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. وأوضح أن هذا النمو لا يمكن اعتباره طفرة ظرفية، بل نتيجة مسار تراكمي بدأ منذ نهاية عام 2024، مدفوعًا بتحسن نسبي في القطاعات الإنتاجية وقدرة السياسات الاقتصادية على احتواء المخاطر.
وأشار العدوس إلى أن محركات النمو الأساسية تمثلت في الصناعات التحويلية والتعدين والزراعة، وهي قطاعات حقيقية ذات قيمة مضافة، ما يعكس تحسنًا في بنية النمو مقارنة بمراحل سابقة كانت تعتمد بدرجة أكبر على القطاعات الخدمية. وأضاف أن الاستقرار النقدي والسياسة المالية المتحفظة أسهما في توفير بيئة اقتصادية داعمة للنمو دون توليد ضغوط تضخمية مرتفعة، الأمر الذي عزز ثقة المستثمرين والقطاع الخاص.
وأكد العدوس أن الحفاظ على هذا المسار التصاعدي يتطلب الانتقال من إدارة النمو إلى تعظيم جودته واستدامته، من خلال تعميق الإصلاحات الهيكلية، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي في القطاعات الإنتاجية، وربط النمو بخلق فرص عمل حقيقية خاصة للشباب، إضافة إلى تطوير البنية التحتية الإنتاجية وتعزيز كفاءة سوق العمل. كما شدد على ضرورة توجيه السياسات الاقتصادية نحو زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الطلب المحلي فقط، بما يضمن بناء قاعدة نمو أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
بدوره، قال أستاذ المالية في الجامعة الهاشمية، الدكتور محمد الدويري، إن تسجيل الاقتصاد الأردني نموًا بنسبة 2.8 بالمئة يعكس حالة من التعافي المتدرج المدفوع بتحسن الأداء القطاعي وتماسك السياسات الاقتصادية، إلا أن هذا المستوى من النمو ما يزال دون الطموح المطلوب لمعالجة التحديات الهيكلية المزمنة، وعلى رأسها البطالة وارتفاع المديونية العامة. واعتبر أن النمو المحقق إيجابي من حيث الاتجاه، لكنه بحاجة إلى تسريع وتيرة التحول الاقتصادي ليصبح أكثر شمولًا وتأثيرًا على مستوى معيشة المواطنين.
وأوضح الدويري أن أسباب النمو تعود إلى تحسن النشاط الصناعي وارتفاع مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى تعافٍ نسبي في قطاعات النقل والتجارة والزراعة، مدعومًا بتحسن الطلب المحلي واستقرار الأسواق. كما أسهمت الظروف النقدية المستقرة والسيطرة على معدلات التضخم في دعم القدرة الشرائية وتعزيز النشاط الاقتصادي بشكل عام.
وشدد الدويري على أن المرحلة المقبلة تتطلب سياسات أكثر جرأة ترتكز على تحفيز الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل، وإزالة المعيقات البيروقراطية أمام القطاع الخاص، وتطوير بيئة الأعمال والتشريعات الاقتصادية، إلى جانب تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص. كما أكد أهمية ربط النمو الاقتصادي بالإصلاح التعليمي والتدريب المهني لضمان مواءمة مخرجات سوق العمل مع احتياجات القطاعات الواعدة، محذرًا من أن استمرار النمو بالمعدلات الحالية دون تعميق أثره الاجتماعي قد يحد من قدرته على الاستمرار على المدى المتوسط والطويل.
بترا – رائف الشياب


