ذكاء اصطناعيمقالات

استاذ الذكاء الاصطناعي في الجامعة الاردنية الدكتور محمد أبوشريعة يكتب ل “رقمنة “:إمبراطورية الذكاء الاصطناعي كقوّة عظمى في العصر الحديث

رقمنة

  • الدكتور محمد عبدالرحمن أبوشريعة

كان ياما كان في قديم الزمان، وقبل عشرين عامًا، كنتُ قد أنهيتُ مرحلة البكالوريوس ومشروع التخرّج، وبدأتُ للتوّ مرحلة الدراسات العليا.

كنتُ حينها مُلهَمًا بالذكاء الاصطناعي عامة، وبمعالجة اللغات الطبيعية ومعالجة الأصوات والكلام خاصة، وقد وجّهتُ طاقاتي العلمية والبحثية في خدمة اللغة العربية التي أشرُف أن تكون لغتي الأم .

قال لي أحد أساتذتي الكبار في المجال: إن ما تقوم به يا محمد هو عملُ شركاتٍ لا أفراد؛ إذ يحتاج إلى بنيةٍ تحتيةٍ من تجهيزاتٍ حاسوبيةٍ حديثةٍ ومتقدمة، وبياناتٍ ضخمةٍ وعالية الجودة، وطاقاتٍ بشريةٍ متنوعةٍ وفريدةٍ تفكّر خارج الصندوق وتعمل بروح الفريق.

في الحقيقة، أخذتُ ملاحظته بشكلٍ إيجابيٍّ؛ حيث كنتُ من أوائل الباحثين في مجال التعرّف الآلي على الكلام العربي ومعالجته، وشكرته على الإشادة والتحفيز، إذ لم يكن هذا المجال البحثي منتشرًا آنذاك كما هو اليوم، وكان عملي على الصعيد الفردي يضاهي عمل الشركات العاملة في المجال نفسه، وإن كان عددها محدودًا. كما فتح لي هذا المجال آفاق تعاونٍ مهولة على صعيدي القطاع الخاص والقطاع العام الأكاديمي على وجه التحديد .

مرّت الأيام، وأنهيتُ مرحلة الدكتوراه في التخصص العام علم الحاسوب، والتخصص الدقيق الذكاء الاصطناعي (معالجة اللغات الطبيعية والكلام). وبدأتُ رحلتي بعد الدكتوراه في أمّ الجامعات الأردنية، الجامعة التي أعشق وأحترم، الجامعة الأردنية العريقة. استمرّ العطاء والبحث العلمي في المجال نفسه، وما زلتُ أشعر أن ما أقوم به يضاهي عمل شركاتٍ كبيرة. واستمرّت الحكاية، والعمل الدؤوب، والبحث العلمي، والإشراف على رسائل وأطروحات طلبة الدراسات العليا، ومشاريع تخرّج طلبة البكالوريوس، واستمرّت رحلة العلم والجدّ والاجتهاد التي لا تنتهي بنيل درجة علمية، أو ترقية، أو منصب.

وفي السنوات الخمس الأخيرة، بدأتُ أشعر أن التنافسية لم تعد سهلة، مع بزوغ فجرٍ جديد وتطوّراتٍ مهولةٍ ومتسارعةٍ في الذكاء الاصطناعي، ومع الشركات العملاقة التي أصبحت تقود المشهد؛ فأدركتُ حينها كلام أستاذي بأن هذا المجال يتطلّب تدخّل شركاتٍ وحكومات، لا أفرادًا فقط. حقيقةً، لا مجال اليوم للمنافسة كفردٍ مع الشركات العملاقة التي تجاوزتنا بكثير. وإنني، كمتابعٍ وباحثٍ في هذا المجال على مدار أكثر من عشرين عامًا، أجد أن قوّةً عظمى تتشكّل في عصرنا الحديث، ولا مجال للتنافس معها؛ إنها إمبراطورية الذكاء الاصطناعي، شاء من شاء وأبى من أبى .

حتى لحظة كتابة مقالي هذا، ونحن نستقبل أول أيام عام 2026، فكل عام وأنتم بألف خير، ليس بالضرورة أن تكون إمبراطورية الذكاء الاصطناعي كيانًا رسميًا له علمٌ ونشيدٌ وطنيٌّ يمثّل رمزًا للهوية الوطنية والسيادة والاستقلال والانتماء، بل هي تعبير يصف النفوذ المتزايد، والقوة الهائلة، والسيطرة التي باتت تمتلكها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والشركات التي تطوّرها وتتحكّم بها.

إمبراطوريةٌ طموحة، لكنها غامضة بعض الشيء؛ فهي ليست شرًّا بالمطلق، ولا خيرًا بالمطلق. إمبراطورية تتسلّح بالبيانات الضخمة، والخوارزميات الدقيقة، والحواسيب السريعة ذات القدرات الاستثنائية والمعقّدة، والعقول البشرية المجنونة، الخلّاقة، الريادية، والابتكارية التي لا حدود لتفكيرها وقدراتها، والتي أصابها نوعٌ من هوس الجديد والمختلف، والميزة التنافسية، والأسرع، والأدق، والأفضل، والتي آمنت بالذكاء الاصطناعي إيمانها بذاتها وقدراتها .

نعيش اليوم في زمنٍ ظهرت فيه شركاتٌ تقنيةٌ عملاقة، وربما حكوماتٌ ومؤسساتٌ بحثية، شكّلت إمبراطورية الذكاء الاصطناعي، وتمتلك بنى تحتية رقمية ضخمة، استعملت الذكاء الاصطناعي في كل شيء، ووجّهته للتأثير في كل مناحي الحياة اليومية والعملية، والريادة، والابتكار، والاقتصاد، والسياسة، والإعلام، والثقافة، والدين، والعلوم المختلفة.

نشهد تقدّمًا جميلًا ومهمًّا في شتّى المجالات بفضل هذه الإمبراطورية وتقدّمها وانتشارها انتشار النار في الهشيم، وكيف لا وهي لا تعترف بالحدود الجغرافية! إمبراطوريةٌ عابرةٌ للقارات، لا حدود لها، نعم لا حدود لها .

نرى شركاتٌ عملاقة تمتلك ميزانيات وقيمًا سوقية وإيراداتٍ تصل إلى تريليونات الدولارات، تجاوزت بذلك إنجازاتها اقتصادات دولٍ كبرى، وتمكّنت من التأثير العميق في الاقتصاد العالمي، وتشكيل الصناعات والمنتجات والخدمات بشكلٍ متسارعٍ ومتطوّر، إلا أنه مخيفٌ بعض الشيء، خاصةً أننا في العالم العربي والإسلامي ما زلنا مستخدمين للكثير من هذه المنتجات والخدمات، ولسنا منتجين ولا مصدّرين لها.

فثمّة اختلافات بيننا، ونوايا قد تختلف وتتبدّل، ولا يتّسع الحديث عنها هنا، فلا أُلام على بعض تخوّفي كعربيٍّ ومسلم؛ فمِن مأمَنِهِ يُؤتَى الحَذِرُ .

إن كان في العمر بقيّة، فإنني حقيقةً عاجزٌ عن تصوّر محتوى مقالي في أول أيام عام 2030 أو عام 2035؛ كيف لا، وما كان يُشار إليه بتكنولوجيا المستقبل في السنوات القليلة الماضية أصبح متاحًا وحاضرًا اليوم؟! فماذا تبقّى لتكنولوجيا المستقبل؟! وأين ستكون إمبراطورية الذكاء الاصطناعي آنذاك؟!

﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ صدق الله العظيم. ولا أقصد الساعة ونهاية الكون كما ورد في الآية الكريمة آنف الذكر، ولكن أقصد إمبراطورية قد تستحوذ على كل شيء، وتصل بنا إلى عالمٍ مختلفٍ جدًّا عمّا نعيشه اليوم، في أمورٍ حياتيةٍ وعمليةٍ جوهرية.

ومن هنا، فإنني أحثّ نفسي والقارئ الكريم على تربية وتأهيل أبنائنا وبناتنا تربيةً استشرافيةً، تساعدهم على خوض تجربةٍ فريدةٍ ومتنوّعة، وإكسابهم المتطلبات اللازمة لتجاوز تحدّيات المستقبل، وتسليحهم بالعلم والمعرفة، وكافّة الأدوات والمهارات الرقمية الحديثة، والتفكير السليم والناقد، وتمييز الغثّ من السمين، والمرونة اللازمة للتعامل مع متطلبات أزمانهم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القيم الإسلامية الثابتة، والعادات والتقاليد العربية الأصيلة، والقدوة الحسنة، واستخدام اللغة العربية استخدامًا سليمًا يحافظ على مكانتها وإرثها الأصيل.

كما أن من الواجب على الأسرة السيطرة على الاستخدام السلبي للتكنولوجيا وبرامج وأدوات الذكاء الاصطناعي المتنوّعة، بما في ذلك متابعة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، والهواتف، والأجهزة الذكية، والحدّ من الاستخدام المفرط وقضاء ساعاتٍ طويلةٍ في عوالمها، وتوجيه الأبناء والبنات إلى الاستخدام السليم والصحي لهذه التكنولوجيا المتطوّرة بأشكالها كافة.

 إنّ الإنسان المُؤهَّل أخلاقيًا، وفكريًا، ومهاريًا هو القادر على العيش في إمبراطورية الذكاء الاصطناعي بسلامٍ وأمانٍ، وهنا يبرز الدور المحوريّ للأسرة والمدرسة والجامعة والحكومة في تهيئة هذا الإنسان.

فالأسرة لم تعُد مكانًا للتربية فحسب، بل هي البيئة الأولى لتشكيل العلاقة مع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بمختلف أشكالها، أما المدرسة والجامعة فلهما الدور الأكبر في صقل مهارات مخرجاتها من الطلبة على نحوٍ يناسب توجهات إمبراطورية الذكاء الاصطناعي ، أما الحكومة فإنها أمام تحوّل تاريخي دقيق فإمّا أن تتكيّف مع متطلبات إمبراطورية الذكاء الاصطناعي وتسِنُّ التشريعات اللازمة وتهيئ البيئات المناسبة وتدعم الطاقات البشريّة والشركات المحليّة أو تصبح هامشيّةً مُغَيّبةً في هذا السباق متخلّفةً بذلك عن كثير من الحكومات الاستباقية أو تلك التي يملك مواطنيها بعض الشركات العملاقة.

وهنا يأتي كذلك دور المناهج التدريسيّة في كافة المراحل التدريسيّة، فالأمر ليس مقصور على إضافة مادة ذكاء اصطناعي هنا وهناك فحسب وتوفير اشتراكات مجّانيّة لأدوات الذكاء الاصطناعي للطلبة وإن كان مهمًّا جدًا، إلاّ أنها أداة التحصين الأولى لأبنائنا وبناتنا والمصنع الأهم والأعمق الذي يشكل عقلهم للعيش في إمبراطورية الذكاء الاصطناعي بالشكل المطلوب، فإمّا أن يتشكّل عقلٌ يقود هذه الإمبراطورية أو عقلٌ يتبعها وينفّذُ أوامرها فقط. فثمة تحوّل جذريّ يلوّح في الأفق، إنه التحوّل من تلقين المعرفة إلى بناء العقل البشري وخلق ثقافة الذكاء الاصطناعي وتعليم الأخلاقيات جنبًا إلى جنبٍ مع المهارات.

وهنا لابد لنا أن لا نغفل الدور الكبير للمعلّم في المدرسة وعضو هيئة التدريس في الجامعة، فهما ليسا ناقلان للمعرفة فحسب، هنالك دور حضاريٌّ وأخلاقيٌّ وقياديٌّ لهما، فهما المسؤولان عن هندسة وإعادة هندسة عقول أبنائنا وبناتنا ولابد أن يتم تأهيلهما وتدريبهما على النحو المطلوب للقيام بهذا الدور المفصليّ المهم.

والسؤال المهم، هل ستصل إمبراطورية الذكاء الاصطناعي إلى إمبراطورية بالشكل التقليدي المعروف ذاتُ كيانٍ رسميٍّ وعلمٍ ونشيدٍ وطنيٍّ يمثلها وشعبٍ أو أتباعٍ ينتمون لها وربما أرضٌ عظيمةٌ لا حدود لها؟؟!! هذا ما سنشاهده ونعيشه في قادم السنوات إن كان للعمر بقيّة.

*كلية الملك عبدالله الثاني لتكنولوجيا المعلومات / الجامعة الأردنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى