مقالات

مستشار الإعلام الرقمي إبراهيم الهندي يكتب لـ ” رقمنة” : الضياع الرقمي …..المعادلة بين فائض المعلومات وعجز التركيز

رقمنة

*ابراهيم الهندي

لم يعد الضياع الرقمي مفهومًا نظريًا أو وصفاً لحالة عابرة، بل أصبح واقعًا عمليًا ينعكس مباشرة على جودة أعمالنا، اتخاذ قراراتنا، وبناء مسارنا المهني، نعم فنحن نعيش في زمن نتعرض فيه لتدفق لا محدود من المعلومات بلا انقطاع..

ولكن يتراجع عمق الفهم، واستمرارية التركيز، والقدرة على الربط بين الأمور والأحداث والمعلومات.

في مقال نُشر مؤخرًا في إحدى الصحف العربية، تناول الكاتب أفكار الفيلسوف الكوري “أزمة السرد”، والذي يقدّم تشخيصًا دقيقًا لما يحدث اليوم: حيث لم نعد نبني سرديات متماسكة عن حياتنا وأعمالنا، بل نستهلك وحدات منفصلة من المعلومات، دون سياق جامع أو معنى طويل الأمد.

من السرد إلى التكديس

في السابق، كان الإنسان يعتمد على السرد لفهم العالم:
يختار الأحداث، يحللها، ثم يقوم بالربط بينها، ليصبح لها معنى، ولتكون سهلة التناول.
أما اليوم، فقد حلّ مكان ذلك نموذج مختلف تمامًا: التكديس.

نقرأ كثيرًا، نتابع ونطالع ونشاهد كل شيء تقريبًا نشاهده يوميا، لكننا نادرًا ما نحول هذا الاطلاع إلى معرفة قابلة للاستخدام أو قرار واضح. المشكلة هنا ليست في نقص المعلومات، بل في فائضها غير المنظّم.. أشبه بحالة من محاولة القراءة لنصوص معقدة الـ “خربطة” أو “الخربشة” على إحدى جدران المدارس، لنخرج بمعنىً، تماما هذا في حالة التعرض الكبير للبيانات دون وعي أو إدراك.

لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا أساسيا في هذا التحوّل، فهي لا تشجّع على التعمّق، بل على التحديث المستمر “التغذية الإخبارية أو News Feed”، والتفاعل السريع، والانتباه المجزأ، ومع الوقت، يصبح المستخدم حاضرًا رقميًا بشكل دائم، لكنه غائب ذهنيًا عن التفكير المتماسك والمترابط.

 

الضياع الرقمي كأزمة إنتاجية

لقد بات الضياع الرقمي أشبه بفوضى واضحة، بل غالبًا ما يتخفّى خلف العديد من مظاهر الأنشطة الخاصة بالعمل.

  • بريد إلكتروني لا يتوقف
  • اجتماعات متلاحقة
  • محتوى يُستهلك طوال اليوم
  • تفاعل مستمر على المنصات

فيعطي انطباعًا بالانشغال، لكنه لا يضمن التقدّم، بل على العكس، تشير التجربة العملية إلى أن هذا النمط يؤدي إلى قرارات أبطأ، تركيز أضعف، وإنجاز أقل جودة، رغم الجهد المبذول.

المشكلة الجوهرية هنا هي إدارة الانتباه، فالعصر الرقمي لا يسرق الوقت فقط، بل يفتّت الانتباه إلى أجزاء صغيرة لا تسمح لنا ببناء رؤية أو تخطيط بعيد المدى.

 

الحاضر المستمر وفقدان الاتجاه

يقول عالم النفس والاجتماع هربرت سيمون “أن وفرة المعلومات تؤدي إلى فقر الانتباه”، فلقد ولدت هذه المعلومات والبيانات الضخمة ضياعاً رقمياً لا يوفر لنا وقتاً للتأمل في التجربة الماضية، ولا مساحة للتفكير في المستقبل، كل ما يهم هو التفاعل اللحظي: إشعار جديد، خبر عاجل، محتوى سريع، وقد ولد هذا النمط ضعفا على القدرة على:

  • التعلّم التراكمي
  • بناء خبرة حقيقية
  • العمل على مشاريع طويلة الأمد

ومع الوقت، يصبح الفرد نشطًا، لكنه بلا اتجاه واضح، بل ضائع فعلياً.

هل المشكلة في التكنولوجيا؟

قد يعزي البعض المشكلة إلى التكنولوجيا، لكني أرى أنه من الخطأ تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية هذا الواقع، الأدوات الرقمية بحد ذاتها محايدة، لكن طريقة استخدامها هي ما يصنع الفرق، فحين تتحول هذه الأدوات من وسائل داعمة للعمل إلى بيئة نعيش داخلها طوال اليوم، تؤدي إلى التعب الجسدي والإرهاق الذي قد يكون أخطر أنواع التعب، كثرة الانتقال دون إنجاز.

أنا هنا لست مع الانسحاب من العالم الرقمي ولا أتخذ منه موقفًا عدائيًا ، بل دعوة واعية لإعادة ضبط العلاقة معها، إعادة الضبط هنا لا تعني تقليل الاستخدام فقط، بل إعادة تعريف الدور، كأن نعود نحن من يحدد الإيقاع، لا الخوارزميات، وأن نستخدم الأدوات الرقمية بقرار لا بردّ فعل، فهي دعوة للتمييز بين الاستخدام المنتج والاستهلاك القهري، وبين الحضور الرقمي الواعي والوجود الدائم الذي لا يترك مساحة للتفكير أو التقدير.

من هذا المنطلق، تصبح الأسئلة البسيطة هي الأكثر إلحاحًا، متى نستخدم هذه الأدوات؟ ولماذا؟ وبأي هدف؟ أسئلة قد تبدو بديهية، لكنها في الواقع معايير قياس للوعي والانتباه، فحين نُعيد توظيف التكنولوجيا لخدمة عملنا، وترتيب أولوياتنا، وتعزيز جودة حياتنا، تتحول من مصدر استنزاف إلى رافعة إنتاج، أما حين نتركها تقود يومنا دون وعي، نصبح نحن الوقود في منظومة لا تتوقف، نعمل كثيرًا، وننجز أقل.

نحو استخدام أكثر وعيًا

الخروج من الضياع الرقمي لا يحتاج حلولًا جذرية أو قرارات صارمة، بل يحتاج إلى خطوات عملية واضحة، كتقليل مصادر المعلومات بدل زيادتها، وتخصيص وقت للعمل العميق بلا مقاطعات، والتعامل مع الانتباه كأصل يجب إدارته لا استنزافه.

في النهاية، القيمة لا تكمن في كم ما نعرفه، بل في قدرتنا على استخدامه بوضوح وفعالية.

 

إن الضياع الرقمي ليس أزمة هوية بقدر ما هو أزمة تركيز واتجاه، حيث تُقاس القيمة اليوم بسرعة الاستجابة لا بعمق التفكير، وبكثرة الحضور لا بجودة الأثر، ومع تسارع العالم الرقمي وتزايد الضجيج من حولنا، تصبح القدرة على إدارة الانتباه واتخاذ القرار الهادئ مهارة أساسية لا رفاهية، وعنصرًا فارقًا بين من يعمل طوال الوقت ومن يُنجز ما يستحق فعلاً.

في هذا السياق، لا يكون النجاح حليف الأكثر اتصالًا، بل الأكثر وعيًا باختياراته، متى يتوقف، متى يتجاهل، ومتى يركّز بعمق، فإدارة الانتباه اليوم هي إدارة للمسار المهني والحياتي معًا، ومن ينجح في ذلك لا ينعزل عن العصر، ولا يهرب من أدواته، بل يعيد توجيهها بذكاء، ويقوده بوعي أكبر.

*مستشار في مجال الإعلام الرقمي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى