
رقمنة – إبراهيم المبيضين
تركز الخطة الاستراتيجية لوزارة الاقتصاد الرقمي على العديد من المحاور التي تهدف في مجملها الى بناء اقتصاد رقمي مستدام يقوم على بنية تحتية قوية، وتشريعات مرنة، وتمكين للشباب والنساء، مع تركيز على الابتكار والاقتصاد الأخضر، على ما اكد وزير الاقتصاد الرقمي والريادة المهندس سامي سميرات اليوم الاثنين.
وقال الوزير سميرات ، في منتدى تواصل الذي تنظمه وزارة الاتصال الحكومي، ان هذه الخطة والتي تغطي الفترة من العام 2024 وحتى نهاية العام 2028 ، تشمل مشاريع كثيرة لكن اهمها يتركز في تنفيذ مشاريع رقمية ضخمة في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والزراعة والعدل وغيرها، والعمل على دعم ريادة الاعمال والصناعات الابداعية ، فضلا عن مشاريع تعنى بتنمية المهارات الرقمية للشباب.
وقال الوزير في المنتدى ، الذي حضره امين عام وزارة الاتصال الحكومي الدكتور زيد النوايسة ، ان الأرقام والإنجازات تثبت أن الأردن في طريقه للتحول إلى مركز إقليمي في مجال التكنولوجيا والريادة، غير أن التحدي القادم يتمثل في ضمان الاستدامة وتوسيع نطاق هذه المبادرات لتشمل جميع الفئات والمناطق، بما يعزز تنافسية المملكة إقليميا وعالميا.
واستعرض الوزير تقريرا يمثل مرجعية شاملة تغطي إنجازات التحول الرقمي والريادة بين 2021 و2025، وتطرح خطة الوزارة وخارطة طريق حتى 2028.
واشار سميرات الى ان التقرير يركز على بناء منظومة حكومية رقمية آمنة وموثوقة، وتمكين الشباب، ودعم الابتكار، مع تسخير التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وسلاسل الكتل لتعزيز موقع الأردن على الخريطة الإقليمية.
وحصل موقع ” رقمنة” على التقرير والذي ينشر تفاصيله فيما يلي :
التحول الرقمي: من الخدمات إلى الهوية الرقمية
يشير التقرير إلى أن الإنجازات في مجال التحول الرقمي شملت رقمنة 1679 خدمة حكومية بنسبة إنجاز بلغت سبعين في المئة، إضافة إلى إطلاق أكثر من خمسمئة خدمة عبر تطبيق “سند” الذي أصبح منصة محورية للمواطنين والمقيمين. وقد تم تفعيل الهوية الرقمية لنحو مليون وثمانمائة ألف مستخدم، بما يشمل الأردنيين والمقيمين، وهو ما يعكس التحول الكبير في اعتماد المجتمع على الخدمات الرقمية اليومية.
كما تم إدخال أنظمة حديثة في مطار الملكة علياء الدولي مثل البوابات الإلكترونية الذكية، التي ساهمت في رفع كفاءة العمليات وسرعة الإجراءات، في خطوة رمزية تؤكد أن التحول الرقمي لا يقتصر على المؤسسات الحكومية التقليدية فقط، بل يمتد إلى كافة مرافق الحياة العامة
ويلفت التقرير إلى أن البيئة التشريعية في الأردن شهدت تحديثات جوهرية لتواكب التحولات الرقمية. فقد أُقر قانون حماية البيانات الشخصية عام 2023، وهو محطة فارقة في تعزيز الثقة الرقمية وضمان خصوصية المستخدمين. كما تمت مراجعة وتحديث مجموعة واسعة من السياسات شملت السياسة الأردنية للذكاء الاصطناعي، وسياسة المنصات السحابية، وسياسة البيانات الحكومية المفتوحة، وسياسة الشمول الرقمي، إضافة إلى إصدار سياسة وطنية لتكنولوجيا سلاسل الكتل. هذه المنظومة التشريعية والتنظيمية لا تعزز فقط إطار العمل القانوني، بل تفتح الباب أمام استثمارات أكبر في البنية التحتية الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
رؤية استراتيجية حتى 2028
بحسب التقرير، تعمل الوزارة بالتعاون مع شركة “غارتنر” العالمية ورئاسة الوزراء والجهات المعنية على إعداد استراتيجية وطنية جديدة للتحول الرقمي للفترة من 2026 وحتى 2028. الهدف من هذه الاستراتيجية رسم خارطة طريق شاملة تضمن استمرارية الإنجازات وتوسيعها لتشمل مجالات أكثر عمقًا مثل الذكاء الاصطناعي المتقدم، وتكنولوجيا سلاسل الكتل، والتوسع في الاقتصاد الرقمي الأخضر. وتؤكد الرؤية أن التحول الرقمي لم يعد مجرد تحسين في الخدمات الحكومية، بل هو مشروع وطني شامل يسعى إلى إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة، والحد من البطالة والفقر، وخلق فرص جديدة أمام الشباب والنساء ليكونوا جزءًا من مسيرة التغيير
وخصص التقرير مساحة واسعة لريادة الأعمال، حيث أوضح أن السياسة العامة لريادة الأعمال التي تغطي الفترة من 2021 وحتى 2025 تم تنفيذ خمسة وستين في المئة من مشاريعها.
وقد استفادت أكثر من مئتين وستين شركة ناشئة من هذه المشاريع، كما وفرت برامج التشغيل الريادي أكثر من أربعة آلاف وأربعمئة فرصة عمل. ومن اللافت أن الأردن أصبح يحتضن فعاليات نوعية مثل “هاكاثون الأردن 2024” الذي جمع أكثر من مئة فكرة ريادية في قطاعات حيوية.
كما تم إطلاق أول مركز متخصص في تدريب وتأهيل الشباب في مجال الألعاب والرياضات الإلكترونية في عمّان، وهو قطاع يمثل مستقبلًا واعدًا للنمو الاقتصادي والثقافي على حد سواء
الشباب والتكنولوجيا والوظائف: ركيزة للمستقبل
يشير تقرير “خطط التحول الرقمي والريادة في الأردن – منتدى التواصل الحكومي” إلى أن الشباب يمثلون العمود الفقري لرؤية التحول الرقمي في المملكة. فقد جاء مشروع الشباب والتكنولوجيا والوظائف (YTJ) ليكون أحد أهم المبادرات التي ضخت استثمارات بقيمة أربعة عشر مليونًا وسبعمئة وستين ألف دولار، هدفت إلى تمكين الشباب وإكسابهم المهارات الرقمية اللازمة لسوق العمل.
واستفاد من برامج التدريب أكثر من أربعة آلاف وتسعمئة شاب وشابة، حصلوا على مهارات رقمية قابلة للتوظيف تتوافق مع احتياجات السوق المحلي والعالمي. كما استفاد أكثر من أربعمئة ألف طالب من المناهج الرقمية المطورة في المدارس الحكومية من الصف الأول وحتى الصف الثاني عشر، إلى جانب تدريب ما يقارب تسعمئة طالب جامعي ضمن برامج تسريع المسار المهني التي تعزز جاهزيتهم للانخراط المباشر في الاقتصاد الرقمي.
ولم يقتصر الأمر على التدريب الأكاديمي، بل امتد ليشمل العمل الحر عبر الإنترنت، حيث تلقى أكثر من ألف وثمانمائة وخمسة وستين شابًا تدريبات متخصصة على منصات العمل الرقمي الحر، ما أتاح لهم دخول أسواق جديدة وخلق فرص دخل بديلة. ومن خلال منصة Grow.jo تم توقيع مئة واثنتين وثمانين اتفاقية لدعم الشركات الريادية وربطها بشبكات استثمارية، بينما استفادت مئة واثنتان من الشركات الناشئة من فرص دعم مباشرة مكنت الكثير منها من التوسع إقليميًا.
وبحسب التقرير، فقد تمكن نحو ثلاثة آلاف وسبعمئة شخص من خلق مصادر دخل جديدة بفضل هذه البرامج، فيما أُنشئ أول مركز تكنولوجي للعمل المشترك في ماركا، ليكون منصة للشباب والشركات الناشئة لتطوير أعمالهم في بيئة مجهزة بأحدث التقنيات.
مراكز الخدمات الحكومية: تجربة جديدة للمواطن
واحدة من المحطات البارزة التي استعرضها التقرير هي تجربة مراكز الخدمات الحكومية الشاملة. فقد جرى تأسيس خمسة عشر مركزًا تقدم أكثر من مئتي خدمة حكومية تقليدية ورقمية في بيئة موحدة، ما اختصر على المواطن مشقة التنقل بين المؤسسات المختلفة لإنجاز معاملاته. هذه المراكز التي تعمل بساعات عمل مرنة، ويقدم فرع مطار الملكة علياء خدماته على مدار الساعة، أنجزت أكثر من ثلاثة ملايين وسبعمئة ألف معاملة حكومية.
ووفق الأرقام، فقد بلغ معدل رضا المستفيدين ثمانية وتسعين في المئة، بينما لم يتجاوز متوسط وقت الانتظار دقيقتين وثماني عشرة ثانية، ولم يستغرق إنجاز المعاملة الواحدة أكثر من ثلاث دقائق.
هذه التجربة، بحسب التقرير، لم تكن مجرد تحسين للخدمات، بل مثلت تحولًا في فلسفة الإدارة الحكومية، حيث أصبح المواطن في صميم عملية التصميم والتنفيذ. فالمراكز تعتمد على إجراءات مؤتمتة ومبسطة، وتضمن الشفافية الكاملة في الخطوات وتدفق المعلومات، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع. كما أن هذه المراكز أسهمت في تقليل الكلفة التشغيلية ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، وهو ما ينسجم مع أهداف رؤية التحديث الاقتصادي.
الاقتصاد الأخضر الرقمي: بعد جديد للتنمية
من بين العناصر المبتكرة التي تضمنها التقرير، بروز مفهوم الاقتصاد الأخضر الرقمي كأحد مسارات المستقبل. فقد أسست وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة قسمًا مختصًا بدعم الشركات الريادية الصديقة للبيئة، وأطلقت حملات توعوية لتعزيز ثقافة الاستدامة في القطاعين العام والخاص.
ويجري العمل على إطلاق بيئة تنظيمية تجريبية تعرف باسم Sandbox، تتيح للشركات الناشئة اختبار حلولها الرقمية الجديدة في بيئة آمنة ومحفزة، بما يسرّع من تبني التقنيات الحديثة ويضمن توافقها مع الأطر التنظيمية.
وهذا التوجه، كما يؤكد التقرير، لا ينفصل عن الطموحات الوطنية للحد من الانبعاثات وتعزيز الاقتصاد المستدام. فالربط بين الرقمنة والاستدامة يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية أن تكون التكنولوجيا أداة لحماية البيئة ودعم مشاريع الاقتصاد الأخضر.
كما أن هذه المبادرات تفتح الباب أمام الأردن ليكون بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية التي تبحث عن وجهات تدعم الابتكار والاستدامة في آن واحد.
حماية البيانات والثقة الرقمية: أساس التحول
يولي التقرير أهمية كبيرة لبناء الثقة المجتمعية في التحول الرقمي، حيث يشير إلى أن إقرار قانون حماية البيانات الشخصية لعام 2023 جاء ليؤسس لمرحلة جديدة من الشفافية والالتزام. ومنذ ذلك الحين، نظمت الوزارة سبعًا وثمانين ورشة عمل توعوية شارك فيها ممثلون من القطاعين العام والخاص، بهدف رفع الوعي بأهمية حماية البيانات وآليات تطبيق القانون.
وقال انه تم تشكيل مجلس وطني لحماية البيانات الشخصية عام 2024، وبدأ العمل على إعداد الأنظمة والتعليمات المنبثقة عن القانون، بما في ذلك نظام الإفصاح عن الاختراقات الأمنية، ونظام اعتماد المراقبين، وتعليمات التدابير الأمنية والتنظيمية.
إلى جانب ذلك، تم إصدار أدلة إرشادية متخصصة مثل الدليل الخاص بتقييم أثر حماية البيانات، والدليل الإرشادي للإعلان عن الإخلال بأمن المعلومات، ودليل خصوصية البيانات المتضمنة بالتصميم.
كما تعاون الأردن مع مجلس أوروبا في إطار مشروع الجنوب الخامس لتبادل الخبرات واعتماد أفضل الممارسات العالمية، إضافة إلى تنظيم ورش عمل مع البنك الدولي لتعزيز قدرات الجهات الوطنية في تطبيق القانون. هذه الخطوات، بحسب التقرير، عززت من مكانة الأردن كدولة تتبنى المعايير العالمية لحماية البيانات، وهو ما يرفع ثقة المستثمرين ويشجع المجتمع على التعامل مع الخدمات الرقمية بأمان واطمئنان.
الشمول الرقمي: تقليص الفجوة بين الفئات
يتناول التقرير بوضوح أهمية الشمول الرقمي كأحد أعمدة الاستراتيجية الوطنية، حيث لا يقتصر التحول الرقمي على المدن أو الفئات القادرة على الوصول إلى التكنولوجيا، بل يستهدف جميع المواطنين دون استثناء.
فقد عملت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة على تحديث سياسة الشمول الرقمي 2025، التي ركزت على تقليل الفجوة بين الجنسين، وتوسيع نطاق وصول النساء والشباب وكبار السن وذوي الإعاقة إلى الخدمات الرقمية.
كما جرى تعزيز البنية التحتية للإنترنت عالي السرعة في المناطق النائية، إلى جانب إطلاق برامج تدريبية لتأهيل المواطنين على استخدام الخدمات الإلكترونية، بما يضمن أن لا يظل التحول الرقمي حكرًا على شريحة معينة من المجتمع. ويشير التقرير إلى أن هذه الجهود تهدف إلى تحويل الرقمنة إلى أداة للعدالة الاجتماعية، وليست مجرد تحديث تقني
التوأمة مع الاتحاد الأوروبي: شراكات استراتيجية
سلّط التقرير الضوء على مشروع التوأمة بين الأردن والاتحاد الأوروبي في مجال حماية البيانات الشخصية، والذي تم تنفيذه بالتعاون مع مجلس أوروبا. هذا المشروع ساعد في تطوير التشريعات الأردنية بما يتماشى مع اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية (GDPR)، ما يعزز من مكانة الأردن كبيئة آمنة وجاذبة للاستثمارات الأجنبية.
كما جرى تنفيذ برامج تدريبية لبناء قدرات الكوادر الوطنية في مجال الخصوصية وحماية البيانات، إلى جانب عقد ورش عمل تبادلية مع خبراء أوروبيين لتبني أفضل الممارسات.
هذه الشراكات، بحسب التقرير، لم تكن مجرد تعاون تقني، بل كانت خطوة لتثبيت الأردن كجزء من المنظومة العالمية لحوكمة البيانات، وضمان توافق تشريعاته مع الأسواق الأوروبية، الأمر الذي يسهل تدفق الاستثمارات والتجارة الرقمية عبر الحدود
الابتكار والذكاء الاصطناعي: مسار نحو التنافسية
أكد التقرير أن الابتكار يمثل المحرك الأساسي لرؤية التحول الرقمي. فقد أطلقت الحكومة السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي عام 2020، وتعمل حاليًا على تطويرها بما يتماشى مع المستجدات العالمية. ويجري توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة مثل التعليم، الصحة، النقل، والخدمات الحكومية، بهدف تحسين الكفاءة وتقديم خدمات أكثر استجابة.
كما يشير التقرير إلى توجه الأردن نحو الاستفادة من تقنيات سلاسل الكتل (Blockchain) لتأمين المعاملات وتعزيز الشفافية في القطاعات الحيوية. وفي جانب آخر، يُبرز التقرير الجهود المبذولة في تشجيع الشركات الناشئة على تطوير حلول رقمية مبتكرة، من خلال بيئات تجريبية وتمويلات موجهة، إلى جانب تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، وهو ما يسهم في خلق بيئة تنافسية ويجعل الأردن مركزًا إقليميًا للابتكار الرقمي
ويختتم التقرير بالتركيز على رؤية الأردن للفترة الممتدة حتى 2028، والتي تقوم على تحويل المملكة إلى اقتصاد رقمي مستدام يقوم على ثلاث ركائز أساسية: بناء بنية تحتية رقمية آمنة وموثوقة، وضع أطر تشريعية وتنظيمية تتماشى مع المعايير الدولية، وتمكين رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب المستمر. الرؤية لا تقتصر على رفع كفاءة الخدمات الحكومية، بل تتعداها إلى خلق فرص عمل جديدة، وتوسيع قاعدة الاقتصاد، وتعزيز موقع الأردن كمركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار.
ويشير تقرير “خطط التحول الرقمي والريادة في الأردن – منتدى التواصل الحكومي” إلى أن التحديات المقبلة تكمن في ضمان استدامة الإنجازات وتوسيع نطاقها لتشمل كافة المناطق والفئات، مع الحفاظ على التوازن بين التقدم التقني والاعتبارات الاجتماعية والثقافية. الأردن، كما يصفه التقرير، يسير بخطى ثابتة نحو بناء مستقبل رقمي متكامل يواكب العصر ويضع المملكة في قلب الاقتصاد العالمي.