مقالات

الخبير في مجال الاعمال الالكترونية أحمد غندور يكتب لـ ” رقمنة “: هل ينقذ الاقتصاد الرقمي الأردن من فخ المديونية؟

رقمنة 

*الاستاذ الدكتور أحمد غندور

المديونية في الأردن لم تعد تحديًا ماليًا فقط، بل أصبحت مؤشرًا على محدودية النموذج الاقتصادي الحالي، الذي يعتمد على الاستدانة لسد العجز بدل بناء قدرة ذاتية على توليد الإيرادات. الاستمرار في المسار الراهن يعني استمرار الضغط على المواطن، وتآكل هامش الاستثمار، وتراكم التزامات مستقبلية دون أصول إنتاجية كافية.

إذا أراد الأردن كسر حلقة المديونية، فلا يكفي ضبط العجز ماليًا. المطلوب تحول اقتصادي حقيقي، ويُعد الاقتصاد الرقمي أحد أكثر المسارات واقعية لتحقيق هذا التحول، بشرط الانتقال المنظم من الاستخدام الرقمي إلى الإنتاج الرقمي ثم الدمج الشامل في الاقتصاد الوطني.

هذه المذكرة تقترح مسارًا عمليًا مبنيًا على نموذج النضج الرقمي بثلاث مراحل: محو الأمية الرقمية، الإنتاجية الرقمية، والدمج الرقمي، مع ربط كل مرحلة بهدف مباشر لتخفيف المديونية.

أولًا: الانتقال من محو الأمية الرقمية إلى الإنتاجية الرقمية
الأردن استثمر في نشر المهارات الرقمية الأساسية، لكنه لم يحولها بعد إلى إنتاج اقتصادي واسع. التوصية الأساسية هي تحويل برامج التدريب الرقمي من برامج استخدام إلى برامج إنتاج دخل.

إجراءات عملية مقترحة
إطلاق برنامج وطني لتحويل 100 ألف شاب خلال خمس سنوات إلى منتجين رقميين في مجالات البرمجة والعمل الحر والتجارة الإلكترونية والأمن السيبراني
ربط التمويل الحكومي للتدريب الرقمي بمؤشرات دخل حقيقية للمستفيدين بدل الاكتفاء بعدد المتدربين
تقديم حوافز ضريبية للشركات التي توظف خريجين في وظائف رقمية إنتاجية
إنشاء صندوق وطني لدعم الشركات الرقمية الناشئة الموجهة للتصدير وليس للسوق المحلي فقط

الأثر المتوقع على المديونية
زيادة الدخل الوطني بالعملة الأجنبية
توسيع القاعدة الضريبية دون زيادة الضرائب
تقليل البطالة وتقليل الإنفاق الاجتماعي المرتبط بها

ثانيًا: توجيه الاقتراض نحو أصول رقمية منتجة بدل الإنفاق الجاري
جزء كبير من الدين الحالي يموّل نفقات تشغيلية لا تخلق قيمة مستقبلية. التوصية هي تخصيص نسبة ثابتة من أي اقتراض جديد للاستثمار في بنية تحتية رقمية ذات عائد اقتصادي مباشر.

إجراءات عملية مقترحة
استثمار القروض في مراكز بيانات وطنية مدرّة للدخل بدل توجيهها للنفقات الجارية
تمويل منصات تصدير رقمية للخدمات الأردنية في البرمجة والتعليم والاستشارات
بناء بنية تحتية رقمية لدعم الشركات الناشئة بدل دعم قطاعات تقليدية منخفضة الإنتاجية
اعتبار البنية الرقمية أصلًا استثماريًا ضمن حسابات الدين بدل اعتبارها كلفة تشغيلية

الأثر المتوقع على المديونية
تحويل جزء من الدين إلى أصول منتجة
خلق مصادر دخل حكومية جديدة غير ضريبية
تحسين القدرة المستقبلية على خدمة الدين

ثالثًا: تحويل الحكومة الرقمية إلى أداة لخفض العجز المالي
التحول الرقمي الحكومي يجب أن يُدار كأداة مالية لا كمشروع إداري فقط.

إجراءات عملية مقترحة
ربط مشاريع الحكومة الرقمية بمؤشرات توفير مالي واضحة في الموازنة
استخدام الأنظمة الرقمية لتحسين التحصيل الضريبي وتقليل التهرب
تقليل النفقات التشغيلية عبر الأتمتة وإلغاء الإجراءات الورقية المكلفة
نشر تقارير دورية توضح مقدار الوفر المالي الناتج عن الرقمنة الحكومية

الأثر المتوقع على المديونية
خفض العجز السنوي
تقليل الحاجة إلى اقتراض جديد
تحسين كفاءة الإنفاق العام

رابعًا: جعل الاقتصاد الرقمي محورًا لتوسيع الصادرات
الأردن بحاجة إلى صادرات غير تقليدية سريعة النمو. الاقتصاد الرقمي يمثل فرصة واقعية لذلك.

إجراءات عملية مقترحة
إطلاق برنامج وطني لتصدير الخدمات الرقمية بقيمة مستهدفة لا تقل عن مليار دولار خلال خمس سنوات
دعم الشركات الرقمية للوصول إلى الأسواق العالمية عبر اتفاقيات تجارية رقمية
إنشاء علامة وطنية للخدمات الرقمية الأردنية للترويج الخارجي
تحفيز الاستثمار الأجنبي في قطاع التكنولوجيا عبر حوافز تنظيمية وضريبية

الأثر المتوقع على المديونية
تحسين ميزان المدفوعات
تقليل الاعتماد على القروض الخارجية
تعزيز الاحتياطيات من العملات الأجنبية

خامسًا: إدماج الاقتصاد الرقمي في استراتيجية خفض الدين الوطني
الاقتصاد الرقمي يجب ألا يُدار كقطاع منفصل، بل كجزء من السياسة المالية العامة.

إجراءات عملية مقترحة
إدراج مؤشرات الاقتصاد الرقمي ضمن تقارير إدارة الدين العام
ربط أهداف خفض الدين بمؤشرات نمو الاقتصاد الرقمي
إعداد تقرير سنوي يوضح مساهمة الاقتصاد الرقمي في تقليل العجز
إشراك وزارات المالية والاقتصاد الرقمي والتخطيط ضمن إطار حوكمة موحد

سادسًا: الانتقال المنظم إلى مرحلة الدمج الرقمي الشامل
الهدف الاستراتيجي هو الانتقال من مرحلة الاستخدام إلى مرحلة الإنتاج ثم الدمج الكامل في الصناعة والتعليم والصحة والطاقة والخدمات المالية.

إجراءات عملية مقترحة
دمج الحلول الرقمية في القطاعات الإنتاجية وليس في الخدمات فقط
تحويل الجامعات إلى محركات للابتكار الرقمي المرتبط بالسوق
تطوير تشريعات تدعم الاقتصاد الرقمي كقطاع اقتصادي سيادي

الخلاصة لصانع القرار
المديونية في الأردن لن تُحل عبر التقشف وحده، ولا عبر زيادة الضرائب، ولا عبر إدارة محاسبية للدين. الحل يتطلب توسيع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، والاقتصاد الرقمي يمثل أحد أسرع المسارات لتحقيق ذلك.

الانتقال من محو الأمية الرقمية إلى الإنتاجية ثم إلى الدمج الشامل ليس مشروعًا تقنيًا، بل مشروعًا اقتصاديًا وطنيًا مرتبطًا مباشرة بتخفيف المديونية وتعزيز الاستقلال المالي.

*خبير في مجال الاعمال الالكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى