
رقمنة
شهدت بورصة عمان خلال العام الماضي 2025 تحسنًا ملحوظًا في أداء الشركات المساهمة العامة مقارنة مع 2024، حيث ارتفع إجمالي صافي الأرباح بعد الضريبة من نحو 2.08 مليار دينار لنحو 2.35 مليار دينار، بنسبة نمو تقارب 12.9 بالمئة، بحسب تحليل ورصد لوكالة الأنباء الأردنية (بترا).
كما ارتفعت الأرباح قبل الضريبة من 2.98 مليار إلى 3.27 مليار دينار، ما يعكس نموًا حقيقيًا في النشاط التشغيلي وليس مجرد أثر ضريبي. ويعكس هذا التطور تحسنًا عامًا في كفاءة التشغيل لدى عدد من القطاعات، مع استمرار تفاوت ملحوظ في الأداء بين القطاعات الاستهلاكية والدورية والاستراتيجية، ما يشير إلى اقتصاد في مرحلة تعافي ونمو مستمر.
القطاع المصرفي استمر في لعب الدور المحوري في تعزيز ربحية السوق الأردني، حيث ارتفعت أرباح البنوك من نحو 1.17 مليار دينار إلى نحو 1.26 مليار دينار. ويعكس هذا النمو المعتدل استقرار البيئة التشغيلية والتحسن في الهوامش التمويلية نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما ساهم في تعزيز العائد على الودائع والقروض. ومع ذلك، يشير النمو المحدود نسبيًا إلى أن القطاع وصل إلى مرحلة نضج تقل فيها معدلات النمو المرتفعة، في ظل استمرار المخاطر الائتمانية تحت السيطرة، ما يجعل البنوك لاعبًا رئيسيًا في دعم الاستقرار المالي والاقتصادي للبلاد.
أما قطاع التأمين فقد أظهر أداءً إيجابيًا، إذ ارتفعت أرباحه من 26.2 مليون دينار إلى أكثر من 39.2 مليون دينار. ويعكس هذا التحسن قدرة شركات التأمين على تحسين نتائج الاكتتاب وإدارة المطالبات بفاعلية أكبر، مع استمرار بعض التذبذب في أداء الشركات الفردية، ما يدل على أن القطاع لا يزال في مرحلة إعادة هيكلة داخلية تهدف إلى تعزيز الكفاءة التشغيلية والربحية ، مع احتمال مواصلة التحسن إذا استمر نمو الطلب على منتجات التأمين ، ورافقه تعديل في التشريعات الخاصة بالقطاع والتي تمر بمراحلها التشريعية حاليا .
قطاع الخدمات المالية المتنوعة سجل ارتفاعًا قويًا في الأداء، حيث ارتفع صافي الربح من 15.2 مليون دينار إلى نحو 27.7 مليون دينار، نتيجة تحسن نشاط الأسواق المالية وزيادة عمليات الاستثمار وإدارة الأصول، إضافة إلى استفادة بعض الشركات من إعادة تقييم استثماراتها. هذا النمو يعكس قدرة هذا القطاع على التكيف مع التغيرات السوقية، وتحويل المخاطر الاستثمارية إلى أرباح، ويبرز أهميته في تعزيز السيولة السوقية ودعم النشاط الاستثماري في الأردن.
على صعيد قطاع العقارات، تحول الأداء من الخسائر في 2024 إلى أرباح قوية تجاوزت 4.4 مليون دينار، مدفوعة بارتفاع الطلب على المشاريع العقارية وتحسن عمليات إعادة تقييم الأصول، إلى جانب تحسن جزئي في البيئة التمويلية. ومع ذلك، يظل التحسن هشًا نسبيًا بسبب اعتماد جزء من الأرباح على بنود غير تشغيلية، ما يضع تساؤلات حول استدامة النمو في هذا القطاع على المدى الطويل، خصوصًا في ظل تقلبات الطلب المحلي وأسعار التمويل العقاري.
في قطاع الخدمات الصحية، سجلت الشركات نموًا ملحوظًا في الأرباح من نحو 1.49 مليون إلى حوالي 2.2 مليون دينار، معزّزًا بالزيادة المستمرة في الطلب على الخدمات الطبية، وتوسع القدرة الاستيعابية للمستشفيات والمراكز الصحية، وتحسن الكفاءة التشغيلية. وبالمثل، شهد القطاع التعليمي ارتفاعًا في الأرباح من نحو 20.5 مليون إلى أكثر من 30.1 مليون دينار، مدفوعًا بزيادة أعداد الطلبة، ارتفاع الرسوم الدراسية، وتحسن استغلال الطاقة الاستيعابية للمدارس والجامعات الخاصة. هذا الأداء يعكس أن هذه القطاعات، الصحية والتعليمية، تُعتبر من القطاعات المستقرة نسبيًا والجاذبة للاستثمار على المدى المتوسط، خصوصًا مع استمرار الطلب المحلي والإقليمي المتزايد على الخدمات النوعية.
قطاع الفنادق والسياحة شهد تحسنًا ملموسًا، حيث تقلصت الخسائر وتحولت بعض الشركات إلى الربحية، ليصل إجمالي القطاع إلى نحو 298 ألف دينار بعد أن كان يعاني من خسائر كبيرة، ويعكس هذا التحسن تعافي النشاط السياحي تدريجيًا بعد تأثير جائحة كورونا والاضطرابات الإقليمية السابقة، مع بقاء النشاط السياحي حساسًا للتقلبات الجيوسياسية وأسعار الوقود وتذبذب الطلب على السفر الداخلي والخارجي.
قطاع النقل شهد نمواً استثنائياً، حيث ارتفعت الأرباح من نحو 4.8 مليون دينار إلى أكثر من 9.4 مليون دينار، مدعومًا بتحسن الطلب على خدمات النقل والسياحة، وتحسن كفاءة التشغيل لدى بعض الشركات، ما يشير إلى مرحلة توسع نسبي واستقرار نسبي في هذا القطاع الحيوي الذي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتحسن الحركة الاقتصادية والسياحية في الأردن.
القطاع الصناعي، ولا سيما الصناعات الاستخراجية والتعدينية، واصل الأداء القوي، إذ ارتفعت الأرباح من نحو 641 مليون دينار إلى أكثر من 764 مليون دينار، مدعومة بارتفاع أسعار الفوسفات والبوتاس عالميًا، مما يجعل هذا القطاع من أبرز محركات النمو الاقتصادي. بالمقابل، شهد قطاع الأغذية والمشروبات تراجعًا حادًا في الأرباح نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة على تمرير الأسعار للمستهلكين، ما يعكس ضغوطًا تضخمية حقيقية على هذا القطاع الاستهلاكي الحيوي. قطاع الأدوية والصناعات الطبية سجل نموًا جيدًا، إذ ارتفعت أرباحه من نحو 7.5 مليون إلى 9.8 مليون دينار، مدفوعًا بزيادة الطلب الإقليمي وتحسن الصادرات، في حين بقي قطاع الخدمات التجارية شبه مستقر مع تراجع طفيف في الأرباح، ما يعكس تباطؤ النشاط التجاري المحلي.
أما قطاع التكنولوجيا والاتصالات، فقد حافظ على استقرار نسبته مع نمو طفيف للغاية، ما يعكس تشبع السوق المحلي وارتفاع المنافسة، في حين شهد قطاع الطاقة والمنافع تحسنًا محدودًا في الأرباح من 120.7 مليون إلى 126.1 مليون دينار، مع استمرار ضغوط تكاليف التشغيل وتقلبات أسعار الوقود.
ويظهر تحليل الأداء أن النمو في عام 2025 كان مدفوعًا أساسًا بالأنشطة التشغيلية، مع استقرار نسبي للعبء الضريبي عبر معظم القطاعات، مع تفاوت واضح في شدته بين قطاع وآخر. ويعكس هذا الوضع أن الاقتصاد الأردني في مرحلة تعافٍ تدريجي، يعتمد على القطاعات الكبرى مثل البنوك والتعدين، مع تعافي تدريجي للقطاعات الدورية مثل السياحة والنقل والعقارات، في حين تبقى بعض القطاعات الاستهلاكية تحت ضغط اقتصادي واضح نتيجة ارتفاع التكاليف والتحديات التضخمية.
يذكر أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة نما بنسبة 3 بالمئة خلال الربع الأخير من العام الماضي 2025 مقارنة مع 2.6 بالمئة في الربع الأخير من عام 2024، على الرغم من آثار الحرب على غزة والمواجهة الإيرانية الإسرائيلية عام 2025.
كما نمت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى المملكة بالعام الماضي 2025، بنسبة 25.1 بالمئة، ووصلت إلى 2.024 مليار دولار مقابل 1.618 مليار دولار عام 2024، وهو أعلى مستوى تسجله هذه التدفقات منذ عام 2017 في مؤشر يعكس تنامي ثقة المستثمرين بالاقتصاد الوطني ومتانة السياسات الاقتصادية وجاذبية البيئة الاستثمارية في المملكة.
بترا – رائف الشياب



