
رقمنة – زياد المومني
ماذا لو كانت دورة تدريبية في الخياطة كافية لتمهيد الطريق أمام امرأة لإطلاق مشروعها الخاص؟ أو كان تعلم صيانة الهواتف المحمولة بداية لشاب نحو الاستقلال المالي؟ وماذا لو تحولت مهارات البرمجة والذكاء الاصطناعي إلى بوابة جديدة أمام الشباب لدخول سوق العمل؟
هذه الأسئلة تختصر جانباً من حكاية مركز “حرفتي” للتدريب في منطقة الجيزة، إحدى أبرز مبادرات مؤسسة مجموعة المطار الدولي، التي تسعى إلى تحويل التدريب من تجربة تعليمية مؤقتة إلى فرصة حقيقية للعمل والإنتاج وبناء مستقبل أكثر استقراراً.
ومن داخل المركز، حيث تلتقي الحرف المهنية التقليدية بالمهارات الرقمية الحديثة، تبرز فلسفة تقوم على أن تمكين الشباب لا يبدأ بتقديم دورة تدريبية فحسب، بل بفهم احتياجاتهم، وتزويدهم بالمهارات التي يحتاجونها، ومساعدتهم على توظيفها في حياتهم العملية.
وتقول رئيسة إدارة التسويق والاتصال والمسؤولية المجتمعية في مجموعة المطار الدولي زاهية النعسان، خلال جولة نفذتها المؤسسة في المركز .. إن «حرفتي» يجسد توجه المؤسسة نحو الاستثمار في الإنسان، من خلال برامج تستجيب لاحتياجات المجتمع المحلي وتمنح الشباب أدوات عملية تعزز فرصهم في العمل أو إطلاق مشاريعهم الخاصة.
وتضيف أن الغاية ليست تخريج متدربين يحملون شهادات، وإنما مساعدتهم على اكتساب مهارات يمكن استخدامها فعلياً في سوق العمل، بما يعزز الاعتماد على الذات ويفتح آفاقاً اقتصادية جديدة أمامهم.
لماذا الجيزة؟ لأن التنمية تبدأ من المجتمع نفسه
لم تأتِ الجيزة إلى صدارة برامج مؤسسة مجموعة المطار مصادفة؛ فالمنطقة التي يقع فيها مطار الملكة علياء الدولي تمثل المجتمع المحلي الذي اختارت مجموعة المطار الدولي أن تركز جهودها التنموية فيه، عبر العمل المباشر مع السكان وتحديد احتياجاتهم.
وتوضح النعسان أن المؤسسة اعتمدت نهجاً يقوم على فهم التحديات المحلية قبل تصميم البرامج، حتى لا تكون الدورات التدريبية منفصلة عن واقع الشباب أو بعيدة عن متطلبات سوق العمل .
وكانت معدلات البطالة والحاجة إلى فرص تدريب مهني وتعليمي من بين العوامل التي عززت هذا التوجه، لتبدأ رحلة «حرفتي» ببرامج محددة، ثم تتوسع تدريجياً لتشمل تخصصات أكثر تنوعاً.
وبالنسبة إلى النعسان، فإن الاستثمار في الشباب يمثل استثماراً في المجتمع بأكمله؛ فحين يمتلك الشاب مهارة مطلوبة، تتسع أمامه خيارات العمل، وحين تتمكن المرأة من تحويل مهاراتها إلى مشروع، فإن أثر ذلك قد يمتد إلى أسرتها ومحيطها المحلي.
من الحلاقة والخياطة إلى السيارات الهجينة والذكاء الاصطناعي
بدأ «حرفتي» ببرامج مهنية مثل التجميل النسائي والحلاقة الرجالية وصيانة الهواتف المحمولة، لكنه لم يبقَ محصوراً في هذه المجالات. فمع تطور احتياجات السوق، توسعت برامجه لتشمل صيانة السيارات الهجينة، والتكييف والتبريد، والخياطة وتصميم الأزياء، والطهي، والزراعة المستدامة، وتصميم المواقع وبرمجتها، والتسويق الإلكتروني، وإدارة المخزون والمستودعات.
وتقول النعسان إن تنوع التخصصات يمنح الشباب خيارات متعددة، سواء أرادوا الالتحاق بوظيفة، أو تطوير مهاراتهم المهنية، أو تأسيس مشاريع صغيرة تتناسب مع قدراتهم وإمكاناتهم.
وفي أحدث مراحل هذا التطور، أطلق المركز في نيسان 2026 الفوج السابع من برامجه، مضيفاً مسارات تتماشى مع احتياجات العصر، من بينها الذكاء الاصطناعي في الأعمال، إلى جانب إدخال البيانات وكتابة السيرة الذاتية واللغة الإنجليزية، فضلاً عن تخصصات مهنية مثل صيانة السيارات الهجينة والخياطة والتجميل والحلاقة.

وهكذا، يجمع المركز بين مهن لا تزال مطلوبة في المجتمع، ومهارات رقمية تتزايد أهميتها في سوق العمل، ليمنح المتدربين مساحة أوسع لاختيار المسار الذي يناسبهم.
694 خريجاً.. والاختبار الحقيقي يبدأ بعد التدريب
حتى نهاية عام 2025، أكمل 694 طالباً وطالبة برامج “حرفتي “، استفاد 235 طالبا وطالبة من دورات مهنية و379 طالبة وطالب من دورات تعليمية، واستفاد 80 شخصاً من المشاريع المرتبطة بالمبادرة، وفق بيانات المؤسسة.
لكن الأرقام الأكثر دلالة لا تتعلق بعدد الدورات وحده، بل بما حدث بعد انتهائها.
فبحسب تقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي للبرامج المنفذة بين عامي 2023 و2025، بلغ معدل التوظيف الإجمالي 64% وفق المؤشر المستخدم في الدراسة، فيما أطلق ما بين 34% و49% من المشاركين مشاريعهم الصغيرة الخاصة، واستمر أكثر من نصف المشاريع الجديدة بعد مرور عام على إطلاقها.
كما أفاد عدد من أصحاب المشاريع بتحقيق دخل شهري يتراوح بين 500 و1,000 دينار أردني، وأظهر التقييم أن 91% من الخريجين العاملين بشكل كامل يعتمدون على الدخل الناتج عن المهارات التي اكتسبوها من المركز.
وتؤكد النعسان أن قيمة التدريب تظهر عندما يستطيع المتدرب استخدام ما تعلمه في حياته اليومية، سواء عبر الحصول على فرصة عمل أو بدء مشروع خاص، مشيرة إلى أهمية ربط المهارات بالتطبيق العملي وتوفير الأدوات اللازمة لممارستها.
وتعزز نتائج التقييم هذا التوجه؛ إذ بلغت نسبة استخدام المهارات المكتسبة 87%، فيما تجاوزت نسبة الرضا عن البرامج 90%، وأكد ما بين 95% و100% من المشاركين اكتساب مهارات عملية مرتبطة باحتياجات سوق العمل.
ولا يتوقف دعم المتدربين عند تقديم المعرفة؛ فقد حصل جميع المتدربين المهنيين في عام 2025 على حقائب تدريبية، فيما أفاد 77% من المتدربين المهنيين باستخدام الأدوات التي حصلوا عليها بانتظام.
المرأة.. من اكتساب المهارة إلى الاستقلال المالي
في قصة «حرفتي»، لا تمثل المرأة مجرد فئة مستفيدة من التدريب، بل شريكاً أساسياً في تحويل المهارات إلى نشاط اقتصادي.
فقد شملت البرامج مجالات تتيح للنساء تطوير مشاريع منزلية، مثل الخياطة والتطريز وإعداد الطعام والحرف اليدوية والتصميم الرقمي، بما يفتح أمامهن فرصاً للعمل والإنتاج وفق ظروفهن وإمكاناتهن.

وبحسب تقييم الأثر، بلغت مشاركة الإناث 68% في عام 2025 وفق المؤشر المستخدم في الدراسة. كما أفادت المشاركات بتحسن ثقتهن بأنفسهن واستقلالهن المالي وشعورهن بالتقدير المجتمعي.
وتشير النعسان إلى أن تمكين المرأة يبدأ بإتاحة الفرصة لها لاكتساب المهارات، لكنه يكتمل عندما تستطيع الاستفادة منها في بناء مصدر دخل وتوسيع خياراتها الاقتصادية.
ومع ذلك، تكشف نتائج التقييم عن عقبة مهمة؛ إذ أشار 92% من رائدات الأعمال المشاركات إلى أن نقص رأس المال اللازم لبدء مشاريعهن أو توسيعها يمثل التحدي الرئيسي أمام نمو أعمالهن.
وهنا تظهر الحاجة إلى استكمال رحلة التدريب بفرص تساعد أصحاب المشاريع على الوصول إلى التمويل والأسواق والعملاء، حتى لا تبقى المهارة وحدها عاجزة عن تحقيق كامل إمكاناتها الاقتصادية.
التدريب لا يكفي وحده.. كيف يصل الشباب إلى الفرصة؟
تدرك تجربة «حرفتي» أن إتاحة التدريب لا تعني بالضرورة قدرة الجميع على الاستفادة منه. فقد يحتاج الشاب إلى وسيلة نقل، أو أدوات عملية، أو دعم يساعده على الاستمرار حتى إكمال البرنامج.
ولذلك امتد نطاق المبادرة ليصل إلى 12 قرية، مع توفير دعم للنقل لتسهيل وصول المستفيدين إلى المركز. وأظهر التقييم أن 26% من المشاركين لم يكن بإمكانهم حضور التدريب لولا هذا الدعم.
كما أسهمت شراكات المؤسسة مع جهات محلية في تنفيذ البرامج والاستجابة لاحتياجات المجتمع، فيما أتاح تقييم الأثر رصد النتائج والتحديات وتحديد المجالات التي تحتاج إلى مزيد من التطوير.
وتوضح النعسان أن تطوير المبادرات المجتمعية يتطلب الاستماع إلى المستفيدين، ومراجعة النتائج، وتحديث البرامج بما يتناسب مع التغيرات في سوق العمل، بدلاً من الاكتفاء بتكرار التجارب السابقة.
أثر يتجاوز الوظيفة إلى المجتمع
لا تنتهي حكاية «حرفتي» عند حصول خريج على وظيفة أو إطلاق مشروع صغير؛ فامتلاك المهارة وتعزيز الثقة بالنفس والقدرة على الاعتماد على الذات عوامل تسهم أيضاً في زيادة المشاركة الاقتصادية والاجتماعية.
وقد رصد تقييم الأثر اهتماماً من أصحاب العمل المحليين باستقطاب خريجي المركز للوظائف التي تتطلب مهارات مهنية، إلى جانب تأسيس بعض الخريجين مشاريع صغيرة وتعاونيات تقوم على التعاون والاستفادة المشتركة من الموارد والفرص.
وامتدت المبادرات إلى جوانب بيئية، من بينها مشروع زراعة ألف شجرة عام 2022، وإدراج الزراعة المستدامة ضمن البرامج التدريبية، في انعكاس لاتساع مفهوم المسؤولية المجتمعية لدى المؤسسة ليشمل الإنسان والاقتصاد والبيئة.
وتشكل هذه الجوانب امتداداً لدور مؤسسة مجموعة المطار الدولي، التي تعمل على دعم المبادرات الوطنية التنموية، مع التركيز على تمكين الشباب والمجتمعات الأقل حظاً، وبناء شراكات تسهم في تحقيق نتائج مستدامة.
“حرفتي”.. حين تتحول المهارة إلى بداية جديدة
وتشير زاهية النعسان، الى إن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفير التدريب فقط، بل في بناء مسار يستطيع الشاب من خلاله الانتقال من التعلم إلى التطبيق، ومن اكتساب المهارة إلى العمل والإنتاج.
ومن هنا، تواصل تجربة “حرفتي” تطوير برامجها لتواكب احتياجات المجتمع المحلي، وتجمع بين التدريب المهني والمهارات الرقمية، مع الاستفادة من نتائج تقييم الأثر في تحديد نقاط القوة والتحديات.
فقد تكون البداية دورة في صيانة الهواتف، أو تدريباً على الخياطة، أو مهارة في البرمجة والذكاء الاصطناعي، لكن الهدف النهائي واحد: أن يجد المتدرب طريقاً عملياً للاستفادة مما تعلمه.
وختاما ،،، في الجيزة، تختصر هذه التجربة معنى المسؤولية المجتمعية حين تتجاوز حدود الدعم التقليدي إلى الاستثمار في قدرات الناس، ومنحهم الأدوات التي تساعدهم على بناء مستقبلهم.
فالمهارة التي يتعلمها شاب اليوم قد تصبح وظيفة غداً، والمشروع الذي تبدأه امرأة من منزلها قد يتحول إلى مصدر دخل مستدام؛ وهذه هي المسافة التي يسعى «حرفتي» إلى اختصارها بين التدريب والفرصة.




