
رقمنة
لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل سؤالاً نظرياً أو نقاشاً مستقبلياً، بل تحول إلى واقع مدعوم بالأرقام والمؤشرات الدولية، تتابعه المؤسسات الاقتصادية العالمية بوصفه أحد أهم التحولات البنيوية في الاقتصاد الحديث.
وبين المخاوف المتزايدة من استبدال الوظائف البشرية، والفرص التي تفتحها التقنيات الذكية لخلق أنماط عمل جديدة، تبرز الحاجة إلى قراءة تحليلية تستند إلى بيانات موثوقة، بعيداً عن التهويل أو التقليل من حجم التحدي.
وفي هذا السياق، اكد الشريك المؤسس في صندوق ” فكر فينتشرز” محمد الخواجا ان مؤشرات مثل مؤشر تأثير الوظائف للذكاء الاصطناعي (AJII) تكتسب أهمية متزايدة في فهم اتجاهات التحول، وتحديد مسارات الاستجابة الوطنية والقطاعية.
واعلن الخواجا بان صندوق ” فينتشرز” – المعني بالاستثمار في تكنولوجيا التعليم في منطقة الشرق الاوسط – تبنى ” المؤشر العالمي لتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف” ليكون كأداة تحليلية تحاول الانتقال بالنقاش من مستوى التخمين إلى مستوى البيانات القابلة للقياس والتنفيذ، من خلال تفكيك طبيعة الوظائف وتحليل مكوناتها.
واكد ان ان المؤشر يعتمد على مقاربة قائمة على تحليل المهام لا على استبدال الوظائف كلياً، حيث ينظر إلى كل وظيفة بوصفها مجموعة من الأنشطة المتباينة في قابليتها للأتمتة. ويغطي المؤشر أكثر من 65 الف مسمى وظيفي بالاستناد إلى قاعدة بيانات
O*NET المرجعية، ويمنح كل وظيفة درجة تعرض تتراوح بين صفر وعشرة، تعكس مدى قابلية مهامها للتنفيذ بواسطة الذكاء الاصطناعي في المدى القريب أو المتوسط.

وبين ان المؤشر العالمي لتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف يقدم نموذجاً متقدماً لفهم تحولات سوق العمل بعيداً عن الخطاب التهويلـي أو التفاؤلي المفرط وسط ما ما يدور حول الموضوع من جدل وتعقيد وتهويل في بعض الاحيان.
الخواجا اوضح : ان المؤشرات الإحصائية العالمية تظهر أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل يتسم بالتعقيد والتداخل، ولا يمكن التعامل معه بمنطق الخسارة أو المكسب المباشر. مبينا ان التقديرات صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يتأثر ما يقارب 40 في المئة من الوظائف عالمياً بتقنيات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، مع ارتفاع النسبة إلى نحو 60 في المئة في الاقتصادات المتقدمة، مقابل معدلات أقل في الدول النامية، نتيجة تفاوت مستويات الجاهزية الرقمية والبنى المؤسسية.
وفي الاتجاه ذاته، قال ان بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي تشير الى أن التحولات التكنولوجية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى إزاحة نحو 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030، إلا أنها في المقابل ستسهم في خلق ما يقارب 170 مليون وظيفة جديدة، ما يعني تحقيق صافي نمو إيجابي في فرص العمل يقدر بنحو 78 مليون وظيفة عالمياً. هذه الأرقام تعكس أن التحدي الحقيقي لا يكمن في فقدان الوظائف بحد ذاته، بل في طبيعة التحول الذي يطال المهارات والمهام الوظيفية.
أما على مستوى الإنتاجية والأجور، فقد اشار الخواجا الى ان نتائج مؤشر وظائف الذكاء الاصطناعي العالمي الصادر عن شركة PwC تظهر أن القطاعات الأكثر تعرضاً لتقنيات الذكاء الاصطناعي سجلت نموّاً في الإنتاجية يصل إلى أربعة أضعاف مقارنة بالقطاعات الأقل تعرضاً، كما حققت الوظائف التي تتطلب مهارات في الذكاء الاصطناعي علاوة أجور تصل إلى 56 في المئة مقارنة بالوظائف التقليدية المماثلة. وتشير الدراسة ذاتها إلى أن نمو الوظائف في هذه القطاعات بلغ نحو 38 في المئة، حتى في المهن القابلة للأتمتة الجزئية.
وفي سياق متصل ، تظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن تبني الذكاء الاصطناعي يتركز بشكل أكبر في الشركات الكبرى، حيث تعتمد عليه قرابة 40 في المئة من الشركات الكبيرة في الدول الأعضاء، مقابل نسب أقل بكثير في الشركات الصغيرة والمتوسطة، ما يعكس فجوة هيكلية في القدرة على التكيف مع التحول الرقمي.
في ضوء هذه المعطيات، يرى الخواجا ان مؤشر تأثير الوظائف للذكاء الاصطناعي (AJII) لا ينبغي قراءته كمؤشر تهديد مباشر لسوق العمل، بل كأداة تحليل واستشراف تساعد على فهم اتجاهات التحول وتحديد نقاط التدخل المبكر. وفي السياق الأردني، تبرز الحاجة إلى الاستفادة من هذه المؤشرات العالمية في صياغة سياسات وطنية تركز على تحديث منظومة التعليم، وتوسيع برامج التدريب وإعادة التأهيل، وربط مخرجات التعليم بمتطلبات الاقتصاد الرقمي.
وعليه، اضاف الخواجا قائلا : إن التعامل الواعي مع الذكاء الاصطناعي، المبني على البيانات والمؤشرات الموثوقة، يمثل فرصة حقيقية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحويل التحول التكنولوجي من مصدر قلق إلى رافعة للنمو وخلق فرص العمل المستدامة، شريطة أن يكون ذلك ضمن رؤية استراتيجية شاملة تستبق التغيرات ولا تكتفي بردّ الفعل عليها.
واشار الى ان المؤشرات مجتمعة تظهر ان الخطر الحقيقي لا يكمن في “اختفاء الوظائف” بقدر ما يكمن في جمود المهارات. فارتفاع درجة تعرض وظيفة ما يعني الحاجة إلى إعادة تصميمها، وتوجيه الاستثمار نحو إعادة التأهيل ورفع الكفاءة، لا نحو الاستغناء عن العنصر البشري. كما يوفر المؤشر للحكومات والمؤسسات التعليمية خريطة واضحة لتحديث المناهج، والتركيز على مهارات التفكير النقدي، والتواصل، والعمل التكاملي مع الذكاء الاصطناعي.



