
رقمنة – زياد المومني
العياصرة.. ريادي أردني يجعل شراء المستلزمات الطبية أكثر ذكاءً ، وينقل المشتريات الصحية من المكالمات والرسائل المتفرقة إلى دورة رقمية تبدأ من الاحتياج وتنتهي بإعادة التوريد
” في منشأة صحية ما، قد يبدأ يوم موظف المشتريات برسالة على ” واتساب ” ، مضمونها ، هناك نقص في القفازات ، أو الكمامات، أو الشاش ، أو مستلزم آخر لا يحتمل الانتظار ” .
يتصل الموظف بمورد، ثم بآخر، يرسل قائمة، يستقبل سعرًا، ينتظر ردًا، يقارن بين عرضين أو ثلاثة، ثم يعود إلى الهاتف للتأكد من التوافر وموعد التسليم ، وبعد أن تنتهي رحلة البحث، تبدأ رحلة أخرى للفواتير والمتابعة والتحصيل .
عملية تبدو بسيطة من الخارج، لكنها في الواقع سلسلة طويلة من الخطوات الصغيرة التي تستهلك الوقت وتتوزع بين المكالمات والرسائل والملفات.
ماذا لو لم تكن المشكلة في شراء المستلزم ، بل في طريقة شراؤه ؟
هذه الصورة اليومية كانت نقطة البداية بالنسبة للريادي الأردني ” فراس ناصر العياصرة ” الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “ MiniMed Tender “ التي شاركت مؤخرا في النسخة المحلية العاشرة من جائزة أورنج للمشاريع الريادية المجتمعية لعام 2026 .
لكن العياصرة لم ينظر إلى المشكلة باعتبارها مجرد فرصة لبناء تطبيق آخر ، وكان السؤال بالنسبة له مختلفًا : ماذا لو أصبحت عملية شراء المستلزمات الطبية نفسها رقمية، منظمة، قابلة للمقارنة، وقابلة للتتبع من البداية حتى النهاية ؟
من هنا بدأت MiniMed Tender
المشكلة ليست في المنتج.. بل في طريقة الوصول إليه .. يصف العياصرة المشكلة بأنها تبدأ من احتياج بسيط ومتكرر داخل المنشأة الصحية، لكنها سرعان ما تتحول إلى سلسلة طويلة من الخطوات اليدوية.
احتياجات متكررة، بحث عن الموردين، تفاوت في الأسعار، متابعة متفرقة، وقت إداري، ثم انتظار حتى تكتمل عملية الشراء.
ويقول .. وجدنا أن جزءًا كبيرًا من المشكلة ليس في توفر المستلزمات، وإنما في الطريقة التي يتم من خلالها الوصول إليها وشراؤها ، وهناك تجزئة كبيرة في العملية، والكثير من الوقت يذهب في البحث والمقارنة والمتابعة .
ومن هذه النقطة قرر العياصرة وفريقه ألا يبدأوا من المنتج، بل من رحلة الشراء نفسها.
ف ” MiniMed Tender ” ليست متجرًا إلكترونيًا يعرض عشرات المنتجات وينتظر المشتري ليختار منها، كما أنها ليست سوقًا تقليديًا يجمع البائعين والمشترين في مكان واحد .
لكن فراس العياصرة يسميها ببساطة ” مدير مشتريات رقمي للمنشآت الصحية ” ، ويشرح ذلك بقوله : ” نبدأ من احتياج المنشأة، نحوله إلى طلب شراء منظم، ثم ندير المنافسة بين الموردين، والتنفيذ والتسليم والتحصيل والتسوية، وبعد ذلك نحفظ تاريخ المعاملة حتى تصبح عمليات الشراء التالية أسرع وأكثر قابلية للقياس” ، أي أن المنصة لا تحاول فقط أن تجعل الطلب إلكترونيًا، بل تعيد ترتيب العملية من جذورها .
عندما يدخل الموردون في منافسة “عمياء ”
لكن كيف تتحول هذه الفكرة إلى عملية شراء فعلية؟ هنا تستخدم MiniMed Tender نموذج Blind RFQs، أو طلبات عروض الأسعار الفورية والسرية . لا سيما وان المنشأة تضع احتياجاتها في طلب واحد، ثم يصل الطلب إلى موردين معتمدين، ليقدم كل منهم عرضه وفق عناصر مثل السعر والتوافر ووقت التسليم .
وخلال عملية المنافسة، تبقى هويات الموردين مخفية ، وهنا يقول العياصرة: نريد أن تكون المنافسة على العرض والتنفيذ، وليس على العلاقات ، المشتري يرى الخيارات أمامه ويستطيع المقارنة، والمورد يحصل على فرصة حقيقية للوصول إلى طلب فعلي ، وبعد ذلك تتولى المنصة تنظيم العروض ومقارنتها، ثم متابعة التنفيذ والتسليم والفوترة والتحصيل والتسوية .
18 شهرًا.. والمنصة تتعلم من السوق
لم تكن MiniMed Tender مشروعًا بُني بالكامل خلف شاشات الحاسوب ثم أُطلق في السوق ، انما جاءت على مدى نحو 18 شهرًا من التعلم السوقي، تفاعلت الشركة مع ما يقارب 1,000 منشأة، وانضمت إليها 25 جهة توريد معتمدة، فيما نشرت 117 طلب عرض أسعار وأتمت 41 طلب شراء مغلقًا.
ويقول العياصرة إن هذه المرحلة غيرت الكثير من تفاصيل النموذج ، فقد كنا نعتقد في البداية أننا نعرف المشكلة، لكن عندما نزلنا إلى السوق بدأنا نكتشف تفاصيل جديدة كل يوم ، تحدثنا مع المنشآت والموردين، ورأينا أين تتعطل العملية، وما الذي يجعل الطلب ينجح أو يتوقف، ومن هنا بدأنا نطور النموذج الحقيقي .
وبالنسبة للعياصرة ، لم تكن هذه الأرقام مجرد مؤشرات نمو، بل كانت أيضًا بيانات تعلم ساعدت الشركة على إعادة بناء المنتج بما يتناسب مع الواقع.
من ست خطوات إلى عملية واحدة
اليوم، تختصر MiniMed Tender رحلة الشراء في ست مراحل مترابطة هي ..
الاحتياج → طلب شراء منظم → منافسة الموردين → التنفيذ والتسليم → التحصيل والتسوية → الذاكرة وإعادة الشراء.
والحلقة الأخيرة تحديدًا تحمل أهمية كبيرة في رؤية العياصرة ، فبدل أن تبدأ المنشأة عملية البحث من جديد في كل مرة، تحتفظ المنصة بتاريخ المعاملة، بما يجعل عمليات الشراء المستقبلية مبنية على بيانات فعلية .
ويقول العياصرة .. لا نريد أن يكون كل طلب وكأنه أول طلب ، كل معاملة يجب أن تضيف معرفة جديدة للنظام .
الطلب الواحد.. أربع قيم في الوقت نفسه
مع تطور المشروع، بدأ العياصرة يرى أن قيمة MiniMed Tender تتجاوز تسريع عملية الشراء ، فبالنسبة للمنشأة، هناك توفير في الوقت والجهد وتنظيم أفضل للاحتياجات ، وبالنسبة للمورد، هناك وصول إلى طلب شراء حقيقي ومحدد ، وبالنسبة للمنصة، هناك بيانات جديدة تساعد على تحسين الأداء.
أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فيمكن أن يؤدي نمو النشاط إلى توسيع فرص العمل والدخل المرتبطة بالوصول إلى السوق .
ويختصر العياصرة الفكرة بقوله ” كل طلب مكتمل يمكن أن يرفع كفاءة المنشأة، ويفتح فرصة بيع لمورد، ويولد بيانات قابلة للتتبع، وفي الوقت نفسه يمكن أن يخلق فرصة دخل ضمن نموذج الوصول إلى السوق ” .
” الوصول إلى السوق “.. عندما يصبح التوسع فرصة لآخرين
لم يتوقف المشروع عند رقمنة عملية الشراء، إذ طور أيضًا نموذجًا يعتمد على أفراد يشاركون في الوصول إلى المنشآت، وتعريفها بالخدمة، وتدريبها ومتابعتها، مقابل فرص دخل مرتبطة بالنشاط والنتائج .
ويقول العياصرة إن هذا النموذج يتيح للشركة توسيع مشاركتها لتشمل الشباب والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة ضمن منظومة العمل والوصول إلى السوق .
ويضيف .. الفكرة ببساطة أن نمو الشركة لا يبقى داخل حدودها، وإنما يمكن أن يخلق معه فرصًا لأشخاص يساهمون في توسيع قاعدة المستخدمين والنشاط .
الأثر البيئي.. ” لا نريد أن نتحدث عن أرقام لا نستطيع إثباتها ”
وفي الوقت الذي أصبحت فيه كلمة ” الاستدامة ” حاضرة في معظم المشاريع الريادية، يتعامل العياصرة مع الأثر البيئي بحذر مختلف ، فبدل تقديم أرقام تقديرية عن خفض الانبعاثات، ينطلق المشروع من تغييرات يمكن ملاحظتها داخل عملية الشراء نفسها .
فتجميع الاحتياجات في طلب واحد، وتقليل التجزئة، وتقليل بعض عمليات المتابعة والحركة، والاستفادة من مواد تغليف قابلة لإعادة الاستخدام أو قادمة من قنوات إعادة التدوير حيثما أمكن.
ويقول العياصرة .. لا نريد أن نقول إننا خفضنا الانبعاثات بنسبة معينة من دون منهجية مستقلة للقياس ، بالنسبة لنا، الأهم أن نبني النظام الذي ينتج البيانات، وبعد ذلك يمكن أن نقيس الأثر بصورة علمية .
كل معاملة تترك ” بصمة رقمية “
وهنا يعود العياصرة إلى عنصر يعتبره أساسيًا في المشروع :
البيانات .. فالمنصة تستطيع الاحتفاظ بتفاصيل الرحلة: من طلب؟ من قدم عرضًا؟ ما القرار؟ من نفذ؟ ماذا تم تحصيله؟ هل تكرر الطلب؟ ولماذا لم تغلق معاملة معينة؟
ويبين العياصرة بقوله … نحن لا نريد فقط أن نعرف ماذا اشترى العميل، بل نريد أن نفهم رحلة الشراء كاملة .
وهذه البيانات، مع تراكم المعاملات، يمكن أن تتحول إلى أداة لتحسين القرارات ورفع الشفافية وفهم أداء السوق ، وبذلك تصبح الحوكمة وقابلية التتبع جزءًا من المنتج نفسه.
المشروع يتوسع .. من المستلزمات الطبية إلى التشغيل اليومي
لقد بدأت MiniMed Tender في عام 2024 ضمن سوق المستلزمات الطبية في الأردن، لكنها بدأت بالفعل بتوسيع نطاقها ليشمل المستهلكات التشغيلية اليومية للمنشآت الصحية ، وهنا لا يعتمد النمو فقط على استقطاب منشآت جديدة .
يقول العياصرة .. لدينا مساران للنمو ، هما أن نصل إلى منشآت جديدة، وأن نزيد في الوقت نفسه الفئات التي نغطيها داخل المنشآت الموجودة أصلًا ، وهذا يعني أن المنشأة التي تبدأ باستخدام المنصة في فئة محددة يمكن أن توسع استخدامها لاحقًا لتشمل احتياجات تشغيلية أخرى .
من الأردن.. نموذج يريد أن يكبر مع السوق
بالنسبة لفراس العياصرة، لا تتمثل الرؤية في بناء منصة أخرى لطلب المستلزمات ،انما الهدف هو بناء بنية رقمية للمشتريات الصحية تبدأ من الاحتياج وتنتهي بعملية مكتملة لها سجل وبيانات .
وهنا يقول .. نريد أن يصبح النمو التجاري نفسه محركًا للأثر، وأن تكون البيانات الناتجة عن المعاملات هي الأداة التي تثبت هذا الأثر وتساعدنا على تحسينه .
وختاما لا بد من الاشارة الى ان قصة ” MiniMed Tender ” لا تبدأ من التكنولوجيا وتنتهي بها ، انما تبدأ من مشهد يومي بسيط ، منشأة تحتاج إلى مستلزمات، ومورد يريد بيعها، وموظف يحاول أن يجمع الأسعار ويتابع الطلب .
أما ما يحاول فراس العياصرة تغييره، فهو الطريقة التي تحدث بها هذه العملية كلها ، من مكالمة إلى طلب رقمي، ومن عشرات الرسائل إلى منافسة منظمة، ومن معاملة تنتهي عند التسليم إلى بيانات تبقى وتُستخدم في الطلب التالي .
وهكذا، بالنسبة للعياصرة، لا ينبغي أن تكون التكنولوجيا مجرد شاشة جديدة لعملية قديمة؛ بل وسيلة لإعادة بناء العملية نفسها، وجعل كل طلب مكتمل بداية لطلب أكثر كفاءة، وسوق أكثر ترابطًا، وأثر يمكن قياسه .




