
رقمنة
سعى شركة Nuvacore الناشئة في مجال أشباه الموصلات إلى جمع مئات الملايين من الدولارات عند تقييم يقترب من 2.5 مليار دولار، في خطوة تعكس تصاعد اهتمام المستثمرين بالشركات التي تطور المعالجات اللازمة لتشغيل مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب تقرير نشرته Reuters في 9 أكتوبر 2026، تستهدف الشركة، التي تأسست قبل نحو ستة أشهر وتتخذ من سان خوسيه في ولاية كاليفورنيا مقرًا لها، تطوير وحدة معالجة مركزية (CPU) مصممة لتلبية احتياجات مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا التحرك في وقت يتزايد فيه الطلب على القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها، بما يشمل روبوتات المحادثة والأنظمة القادرة على تنفيذ المهام بصورة مستقلة.
وتكتسب الجولة التمويلية اهتمامًا إضافيًا لأن الشركة لم تطور منتجًا بعد، فيما لم يُغلق التمويل حتى الآن. لذلك، يظل التقييم المقترح وحجم الأموال التي ستجمعها عرضة للتغيير مع تقدم المفاوضات.
تقييم ملياري دولار لشركة لم تطلق منتجًا
تستهدف Nuvacore جمع مئات الملايين من الدولارات ضمن جولة تمويلية تشير المعلومات المتاحة إلى أنها قد تتم عند تقييم يبلغ نحو 2.5 مليار دولار. وكانت تقارير سابقة لموقع The Information قد أفادت بأن الشركة تسعى إلى جمع ما لا يقل عن 200 مليون دولار، دون الكشف آنذاك عن التقييم المقترح.
ويعكس الفارق بين عمر الشركة القصير والتقييم المستهدف حجم الرهان الذي يضعه المستثمرون على سوق معالجات مراكز البيانات، في ظل التحول المتسارع نحو تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى بنية تحتية حاسوبية متقدمة.
ومع ذلك، فإن التقييم المطروح لا يمثل قيمة نهائية مؤكدة للشركة، إذ لم تنتهِ الجولة التمويلية، كما لم تعلن Nuvacore عن منتج تجاري يمكن من خلاله قياس أدائها في السوق أو قدرتها على تحقيق الإيرادات.
ولم تقدم الشركة تعليقًا على تفاصيل الجولة التمويلية، بحسب Reuters. ويعني ذلك أن المعلومات المتعلقة بحجم التمويل والتقييم تستند إلى أشخاص مطلعين على المفاوضات، وليست إعلانًا نهائيًا صادرًا عن الشركة.
Sequoia Capital تقود الرهان على الشركة
تحظى Nuvacore بدعم Sequoia Capital، إحدى شركات الاستثمار الجريء المعروفة في قطاع التكنولوجيا، بعدما أعلنت في وقت سابق من عام 2026 عن جولة تمويل أولية قادتها الشركة الاستثمارية.
ويمثل هذا الدعم مؤشرًا على اهتمام المستثمرين المتخصصين في التكنولوجيا بفرص تطوير معالجات جديدة لمراكز البيانات، خصوصًا مع ارتفاع الإنفاق على البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتختلف شركات أشباه الموصلات عن كثير من الشركات الناشئة في البرمجيات من حيث متطلبات التطوير؛ إذ تحتاج مشروعات تصميم المعالجات إلى خبرات هندسية متخصصة وموارد مالية كبيرة، كما قد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى منتج جاهز للاستخدام التجاري. وتزيد هذه العوامل من أهمية التمويل المبكر وقدرة الشركة على جذب مستثمرين مستعدين لدعم مراحل التطوير الطويلة.
ويأتي اهتمام المستثمرين بـNuvacore ضمن عودة قوية للاستثمارات في الشركات الناشئة العاملة في قطاع الرقائق، بعدما شهدت هذه الصناعة فترات كان فيها رأس المال الاستثماري أكثر توجهًا إلى شركات البرمجيات ذات دورات التطوير الأقصر واحتياجات التمويل الأقل.
ثلاثة مهندسين وراء تأسيس Nuvacore
تأسست Nuvacore على يد ثلاثة مهندسين متخصصين في أشباه الموصلات، هم Gerard Williams وJohn Bruno وRam Srinivasan، ويستند مشروع الشركة إلى خبراتهم في تصميم المعالجات وتطوير التقنيات التي تخدم التطبيقات الحاسوبية المتقدمة.
ويبرز اسم Gerard Williams بصورة خاصة، نظرًا إلى مسيرته السابقة في قطاع التكنولوجيا؛ فقد عمل في Apple، ثم أسس شركة Nuvia التي استحوذت عليها Qualcomm في عام 2021 مقابل 1.4 مليار دولار.
وتمنح هذه التجربة مؤسس Nuvacore سجلًا سابقًا في تأسيس شركة متخصصة في تصميم المعالجات والوصول بها إلى صفقة استحواذ كبيرة. ومع ذلك، فإن نجاح تجربة سابقة لا يضمن بالضرورة نجاح المشروع الجديد، خصوصًا في صناعة تتطلب الجمع بين الابتكار الهندسي والقدرة على التمويل والتنفيذ والوصول إلى العملاء.
وتسعى الشركة الجديدة إلى الاستفادة من خبرات مؤسسيها لتطوير معالج مركزي يتناسب مع أنماط الحوسبة الأكثر شيوعًا في مراكز البيانات الحديثة، في سوق تزداد فيه أهمية الأداء وكفاءة استخدام الطاقة وتكلفة تشغيل البنية التحتية.
استراتيجية مختلفة لتصميم المعالجات
تتبنى Nuvacore نهجًا غير تقليدي في تطوير معالجها، إذ تخطط لتصميم الوظائف الأساسية للرقاقة أولًا، قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن المعمارية التي سيعتمد عليها المعالج.
وتستهدف هذه الاستراتيجية منح المهندسين مساحة أكبر لتحسين التصميم وفق طبيعة العمليات الحسابية الأكثر استخدامًا في مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بدلًا من البدء ضمن قيود معمارية محددة ثم محاولة تكييف التصميم معها.
وتعتمد صناعة المعالجات على معماريات تحدد طريقة تنفيذ التعليمات والتعامل مع البرامج والموارد الحاسوبية. ومن أبرز المعماريات المستخدمة في هذا المجال x86، التي ترتبط بمعالجات Intel وAMD، إلى جانب معمارية Arm التي تستخدمها شركات عديدة في تصميم معالجات مخصصة.
وبحسب المعلومات التي أعلنتها الشركة عن منهجها، فإن تأجيل اختيار المعمارية إلى مرحلة لاحقة قد يمنح فريقها فرصة لتحسين الوظائف الأساسية للمعالج وفق احتياجات مراكز البيانات، مع تقليل القيود التي قد يفرضها الالتزام المبكر بتصميم محدد.
لكن نجاح هذا النهج سيعتمد على قدرة الشركة على تحويل الفكرة إلى تصميم عملي قابل للتنفيذ، ثم تطوير منتج يحقق أداءً تنافسيًا ويستطيع العمل ضمن منظومات مراكز البيانات الحالية. كما يتطلب الأمر توافقًا مع البرامج والأنظمة التي يعتمد عليها العملاء، وهي عوامل حاسمة في سوق لا يكفي فيه التفوق النظري في التصميم وحده لضمان الانتشار.
لماذا تحتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى معالجات مركزية؟
ارتبطت موجة الاستثمار في الرقائق خلال السنوات الماضية بالطلب الكبير على وحدات معالجة الرسومات (GPU)، التي تستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيل كثير من العمليات الحسابية المتوازية. ومع توسع هذه التطبيقات، تتزايد أهمية وحدات المعالجة المركزية (CPU) التي تؤدي دورًا مختلفًا داخل البنية التحتية.
فالمعالجات المركزية تتولى تنفيذ مهام عامة وإدارة العمليات والبيانات والتنسيق بين مكونات النظام، بما يشمل تنظيم عمل المعالجات المتخصصة وإدارة حركة البيانات داخل مراكز البيانات. ويصبح هذا الدور أكثر أهمية عندما تعمل الأنظمة على تنفيذ أعداد كبيرة من العمليات المتزامنة أو تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتطلب التنسيق بين عدة موارد حاسوبية.
كما تتطلب الأنظمة المعتمدة على وكلاء الذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم AI Agents، بنية قادرة على تشغيل البرمجيات وإدارة المهام والتفاعل مع الأدوات والخدمات المختلفة. وتحتاج هذه التطبيقات إلى موارد حاسوبية متنوعة، ولا تعتمد على نوع واحد من المعالجات وحده.
وبالتالي، فإن توسع سوق الذكاء الاصطناعي لا يرفع الطلب على وحدات معالجة الرسومات فقط، وإنما يزيد أيضًا أهمية المعالجات المركزية التي تنظم العمليات وتدعم تشغيل الأنظمة المحيطة بها.
وهذا ما يمنح الشركات التي تطور معالجات مخصصة لمراكز البيانات فرصة للاستفادة من دورة الاستثمار الحالية، خصوصًا إذا استطاعت تقديم حلول تجمع بين الأداء المرتفع وكفاءة الطاقة والتكلفة المناسبة.
Intel و AMD تواجهان منافسة متزايدة
تسيطر Intel وAMD تاريخيًا على جزء كبير من سوق المعالجات المركزية المستخدمة في مراكز البيانات، مستفيدتين من خبراتهما الطويلة في تصميم المعالجات وعلاقاتهما مع الشركات التي تطور الخوادم والبنية التحتية للحوسبة.
لكن المنافسة شهدت تغيرات مع اتجاه شركات التكنولوجيا الكبرى إلى تطوير معالجات مخصصة تعتمد على معمارية Arm، بهدف تلبية احتياجات أنظمتها الداخلية وتحسين الأداء وكفاءة التشغيل.
وتستخدم Amazon وMicrosoft تصميمات مخصصة ضمن هذا التوجه، في إطار سعي شركات الحوسبة السحابية إلى تحسين كفاءة مراكز البيانات والتحكم في تكلفة تشغيلها. ويمنح هذا الاتجاه الشركات المالكة للبنية التحتية الكبيرة حافزًا لتطوير رقائق تتناسب مع طبيعة أعبائها الحاسوبية بدلًا من الاعتماد الكامل على المنتجات التجارية المتاحة.
وتدخل Nuvacore إلى سوق تتنافس فيه شركات راسخة تمتلك موارد هندسية وتجارية كبيرة، إلى جانب شركات تكنولوجية تطور معالجاتها الخاصة. لذلك، سيكون عليها إثبات أن نهجها في التصميم يمكن أن يقدم قيمة عملية للعملاء، سواء من حيث الأداء أو استهلاك الطاقة أو التكلفة الإجمالية لتشغيل مراكز البيانات.
ويعني ذلك أن المنافسة لن تقتصر على ابتكار تصميم جديد، وإنما ستشمل قدرة الشركة على بناء منظومة تقنية يمكن دمجها في بيئات العمل الحالية، والحصول على ثقة العملاء الذين يعتمدون على استقرار البنية التحتية واستمرارية تشغيلها.
Nvidia تدخل سوق المعالجات المركزية
لا تقتصر المنافسة على Intel وAMD والشركات التي تعتمد على معمارية Arm، إذ تتوسع Nvidia أيضًا في سوق المعالجات المركزية من خلال تطوير معالجها Vera.
وبحسب التقرير، توقع الرئيس التنفيذي للشركة Jensen Huang أن تحقق مبيعات معالج Vera نحو 20 مليار دولار خلال السنة المالية التي تنتهي في يناير. ويعكس هذا التوقع اهتمام Nvidia بتوسيع حضورها في مكونات مراكز البيانات، في وقت تتجه فيه الشركات إلى شراء منظومات حاسوبية متكاملة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتستفيد Nvidia من حضورها القوي في سوق المعالجات المتخصصة للذكاء الاصطناعي، ومن علاقاتها مع مشغلي مراكز البيانات والشركات التي تستثمر في البنية التحتية للحوسبة. ويمنحها ذلك فرصة لتقديم معالجات مركزية ضمن منظومة أوسع تشمل وحدات معالجة الرسومات والأنظمة والشبكات والبرمجيات.
ويضع هذا التوجه الشركات الناشئة مثل Nuvacore أمام منافسة من شركات تمتلك بالفعل منتجات وشبكات توزيع وقاعدة عملاء كبيرة. وفي المقابل، قد تتيح احتياجات السوق المتزايدة مساحة لحلول جديدة إذا استطاعت تقديم مزايا تقنية أو اقتصادية واضحة.
وتبقى توقعات مبيعات Vera مؤشرًا على حجم الفرص التي تراها الشركات الكبرى في سوق المعالجات المركزية، لكنها لا تعني أن Nuvacore ستتمكن تلقائيًا من اقتناص حصة من هذا السوق؛ إذ لا تزال الشركة في مرحلة التطوير قبل طرح منتجها الأول.
استثمارات أشباه الموصلات تتجاوز مستويات العام السابق
تأتي جولة Nuvacore في وقت شهدت فيه الاستثمارات الموجهة إلى الشركات الناشئة في قطاع أشباه الموصلات ارتفاعًا ملحوظًا خلال عام 2026.
ووفقًا لبيانات Crunchbase الواردة في التقرير، جذبت الشركات الناشئة في قطاع أشباه الموصلات نحو 10.7 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مقارنة بنحو 12.2 مليار دولار جُمعت عالميًا طوال عام 2025.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الاستثمارات التي تدفقت إلى القطاع خلال فترة قصيرة اقتربت من إجمالي التمويل المسجل في العام السابق، في ظل تزايد الطلب على القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
وتعززت جاذبية القطاع مع ارتفاع الطلب على المعالجات المركزية والمتخصصة، إلى جانب توسع الإنفاق على البنية التحتية الرقمية. وذكرت التقارير أن Intel أشارت في وقت سابق من العام إلى عدم قدرتها على تصنيع كميات كافية لتلبية الطلب على بعض منتجاتها، كما تحدثت AMD عن نمو الطلب على المعالجات المركزية خلال مناقشاتها مع المحللين.
وتعكس هذه التطورات أن طفرة الذكاء الاصطناعي أصبحت تؤثر في أجزاء متعددة من صناعة أشباه الموصلات، من المعالجات المتخصصة إلى وحدات المعالجة المركزية المستخدمة في إدارة العمليات وتشغيل الخوادم.
ومع ذلك، فإن زيادة التمويل لا تضمن نجاح كل شركة ناشئة في القطاع. فالتطوير يتطلب وقتًا ورأس مال وخبرات هندسية، كما أن الطلب المرتفع في مرحلة معينة قد يتغير مع تطور التكنولوجيا ودخول منافسين جدد أو ظهور حلول أكثر كفاءة.
التقييم المرتفع يضع التنفيذ أمام اختبار حقيقي
يمثل التقييم المستهدف البالغ نحو 2.5 مليار دولار رهانًا على قدرة Nuvacore على تطوير معالج يناسب الاحتياجات المتغيرة لمراكز البيانات، في سوق يشهد استثمارات كبيرة ومنافسة من شركات تمتلك خبرة طويلة في الصناعة.
وتكمن أهمية هذا الرهان في أن الشركة لا تزال في مرحلة مبكرة للغاية؛ فهي لم تطلق منتجًا بعد، ولم تُغلق الجولة التمويلية التي تسعى من خلالها إلى جمع مئات الملايين من الدولارات. ولذلك، فإن القيمة المطروحة تعكس توقعات بشأن إمكانات الشركة المستقبلية أكثر مما تعكس أداءً تجاريًا قائمًا يمكن قياسه بالإيرادات أو الحصة السوقية.
وسيكون أمام Nuvacore عدد من المراحل الأساسية قبل أن تتمكن من تحويل هذه التوقعات إلى نشاط تجاري، تبدأ بإكمال تصميم المعالج واختباره، ثم الانتقال إلى مراحل التصنيع والتطوير اللازمة، وصولًا إلى بناء علاقات مع العملاء وإثبات قدرة المنتج على المنافسة في بيئات تشغيل فعلية.
كما ستحتاج الشركة إلى التعامل مع تحديات التوافق البرمجي ومتطلبات الأداء والموثوقية، وهي عوامل تؤثر في قرارات شراء المعالجات داخل مراكز البيانات. فالمؤسسات التي تدير بنية تحتية واسعة لا تبحث عن أداء مرتفع فقط، وإنما تحتاج أيضًا إلى منتجات مستقرة يمكن الاعتماد عليها وتوسيع استخدامها دون اضطرابات تشغيلية.
جولة




