الاقتصادشركات

سوق السيارات الأردني 2025….. إصلاحات حكومية تحد من الاختلال على حساب الاقتصاد وحماية المستهلك

رقمنة

أظهرت دراسة تحليلية حديثة لبيانات تسجيل المركبات في الأردن لعام 2025 أن مجمل ما تم استيراده وإدخاله إلى السوق الأردنية خلال عام 2025 قد بلغ 114500 سيارة، وهو رقم مذهل ويزيد وبشكل كبير على المعدل السنوي للطلب على السيارات في السوق الأردنية الذي لا يزيد على 60 إلى 70 ألف سيارة سنويا، فما الذي يفسر دخول ما يزيد على 40 ألف سيارة إضافية إلى السوق؟

الجواب ببساطة هو أن تجار المنطقة الحرة استوردوا كميات ضخمة ومبالغ فيها من السيارات تحسبا لبدء سريان القوانين الجديدة المتعلقة بمنع استيراد السيارات غير المطابقة للمواصفات أو تلك التي تحمل صفة “سالفج” والذي طبق فعليا في شهر نوفمبر من العام الماضي، أي أن هناك فائضا كبيرا من مخزون السيارات يغطي حاجة السوق الأردنية لما يزيد على ثلثي الطلب المتوقع في العام الحالي 2026، ومما يعني أيضا تراجعا حادا في الاستيراد والتخليص الجمركي لأي كميات إضافية من السيارات قبل نفاد هذا المخزون، في سوق يعاني من تباطؤ في الطلب بسبب الظروف الاقتصادية والإقليمية التي تؤثر سلبا على الحركة التجارية بشكل عام وعلى بيع السيارات بشكل خاص.

أي أن العام الحالي 2026 سيشهد بالضرورة تراجعا حادا في تسجيل أي مستوردات جديدة  لكميات من السيارات الجديدة قبل نهاية العام الحالي 2026. وتبرز أهمية هذه المعلومة عن الاستماع لبعض التصريحات المغلوطة والمضللة التي تصرح بخطأ القرارات الحكومية التي نظمت سوق السيارات في العام 2025 وتتهمها زورا بالتسبب بتراجع المستوردات وبالتالي إيرادات الخزينة أو انخفاض حجم السوق، وهو ما تنفيه هذه الحقائق الإحصائية جملة وتفصيلا.

ومن خلال تحليل معمق للأرقام الخاصة بالسيارات المستوردة خلال العام 2025 يصل المتابع إلى تشخيص لواقع مقلق واختلال هيكلي خطر كان يهدد استقرار قطاع السيارات والاقتصاد الوطني على حد سواء. وأظهرت الأرقام أن “السوق الموازي” (الرمادي) الذي تمثله المنطقة الحرة قد ابتلع ما نسبته 83.6 % من إجمالي مبيعات السيارات في المملكة (95.700 مركبة)، تاركاً ما نسبته 16.4 % فقط (18.822 مركبة) للسوق الرسمي المنظم الذي يمثله الوكلاء المعتمدون وموزعيهم من التجار، طبعا لا بد هنا من التنويه أن هذا الواقع سيتغير وبشكل جذري بعد تطبيق الإصلاحات الحكومية  الناظمة لقطاع المركبات.

هذا الخلل الفادح سابقا لا يمثل مجرد تشوه في حصص السوق، بل هو جرس إنذار يدق بقوة محذراً من تداعيات كارثية على حقوق المستهلك، وإيرادات الخزينة، ومبدأ المنافسة العادلة لو استمرّ الوضع كما هو عليه وكما يحلو لتجار الحرة المناداة بعودته مرارا وتكرارا.

سيارات بلا هوية.. ومستهلك بلا حماية
تُظهر البيانات أن الهيمنة شبه المطلقة للمنطقة الحرة تتركز في قطاع السيارات الكهربائية والهايبرد، حيث استحوذت على 92.5 % من مبيعات سيارات الهايبرد و88.2 % من السيارات الكهربائية. هذه الأرقام الصادمة تعني أن عشرات الآلاف من السيارات عالية التقنية تدخل شوارع المملكة سنويا وهي تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية للمستهلك سوى كفالة محلية ورقية يشكك العديد من المختصين في جدواها، أو من خلال إيجاد مراكز فحص اتضح لاحقا عدم قدرتها على الحد من دخول سيارات معيبة أو تم العبث بها.
فهذه السيارات تُباع بدون كفالة مصنعية حقيقية من الشركات المصنعة لها، وتستبدلها بكفالة محلية لا تمت بصلة للكفالات الحقيقية واثبت الواقع العملي عدم جدواها فهي تفتقر إلى الدعم الفني المعتمد من الشركة الأم بأي شكل بل وتفتقر إلى القدرات المالية لتغطية أي استدعاءات أي أخطاء تصنيعية كبرى.
والأخطر من ذلك، أن الغالبية العظمى من هذه المركبات التي كانت تغرق السوق لا تتوافق مع المواصفات والمقاييس الأردنية ولا تحمل شهادات المطابقة. إن إغراق السوق بمركبات غير مطابقة للمواصفات يحول شوارعنا إلى حقل تجارب، ويترك المواطن الأردني وحيدا في مواجهة أعطال فنية معقدة وبطاريات باهظة الثمن دون أي غطاء قانوني أو فني يحميه. وهناك العديد من الشواهد التي تثبت ذلك من خلال شكاوى موثقة من العديد من المواطنين الذين تعرضوا للغبن والغش بشراء سيارات معيبة رغم اجتيازها الفحص من مراكز الفحص في الحرة، ولم تسعفهم الكفالة المحلية في حل مشاكل سياراتهم وكان الجواب الشائع للتنصل من المسؤولية: “سوء استخدام”. 
والطامة الكبرى أن هؤلاء التجار الذين استفادوا من الانفلات التنظيمي السابق ما زالوا يتباكون على أيام الفوضى التشريعية،  ويطالبون بإلغاء التشريعات التنظيمية وعودة الانفلات في الاستيراد حماية لمصالحهم الضيقة على حساب الأردن والأردنيين.

نزيف ضريبي وضرب للمنافسة العادلة
إلى جانب الكارثة في حماية المستهلك، يمثل هذا الوضع نزيفاً حاداً لإيرادات الخزينة العامة. ففي ظل ثغرات تشريعية واضحة، تُحقق تجارة السيارات في المنطقة الحرة أرباحاً طائلة معفاة تماماً من ضريبة الدخل،على أرباح التجار الذين يستغلون ثغرة تشجيع الاستثمار في المناطق الحرة لتجنب دفع الضريبة على أرباحهم أسوة بمنافسيهم من وكلاء وتجار سيارات في عمان والمدن الأردنية الأخرى، مما يحرم الدولة من ملايين الدنانير التي كان يمكن أن ترفد الموازنة العامة.
علاوة على ذلك، يخلق هذا الوضع بيئة من المنافسة غير العادلة والمشوهة. فالوكلاء الرسميون والمستثمرون الحقيقيون في السوق المنظم يتحملون أعباء تشغيلية ضخمة؛ تشمل استثمارات عقارية كبيرة متمثلة بالمعارض في أغلى الشوارع التجارية في العاصمة علاوة عن مراكز صيانة ضخمة وذات تجهيزات باهظة التكاليف، ومخزون قطع غيار أصلية بالملايين من الدنانير، بالإضافة لكونهم يوظفون آلاف الأردنيين، ويخضعون لقوانين العمل، ويلتزمون باشتراكات الضمان الاجتماعي، ويحتفظون بدفاتر حسابات مدققة تخضع للضريبة بالكامل. في المقابل، يتمتع تجار “السوق الموازي” في المنطقة الحرة ذات الكلف الزهيدة المتمثلة في ساحات ومعارض بإيجارات لا تذكر مقارنة بالعاصمة والمدن الرئيسية، بإعفاءات من العديد من الضرائب والرسوم المتعددة التي تفرض خارج “المناطق الحرة” وهي بالأصل الالتزامات الوطنية للقطاع الخاص تجاه دولته ومجتمعه، مما يمنحهم أفضلية غير مشروعة على حساب الاقتصاد المنظم.

إشادة بالخطوات الحكومية التصحيحية
أمام هذا المشهد المقلق، لا بد من توجيه الشكر والتقدير للحكومة الأردنية الحالية وفريقها الاقتصادي الشجاع والمستنير على استشعارها لخطورة الموقف، وبدئها باتخاذ خطوات تصحيحية حازمة خلال عام 2025 لإعادة ضبط بوصلة السوق.
إن القرارات الحكومية الأخيرة الرامية إلى تنظيم الاستيراد، وفرض متطلبات السلامة والجودة والتأكد من مطابقة المركبات للمواصفات القياسية، هي خطوات في الاتجاه الصحيح لحماية المواطن الأردني من الوقوع ضحية لمركبات تفتقر للدعم والضمان الحقيقي.
كما نثمن عالياً القرار التاريخي بوقف استيراد سيارات “السالفج” (المركبات المشطوبة أو المتعرضة لحوادث جسيمة) بشكل نهائي. هذا القرار الشجاع سيحمي الأردن من أن يكون مكباً للنفايات الميكانيكية، وسيضع حداً لممارسات الاحتيال والغش في إصلاح وبيع السيارات المستعملة، مما يعزز السلامة المرورية ويحمي مدخرات المواطنين.
إن استمرار الحكومة في سد الثغرات الضريبية والتشريعية، ودعم السوق المنظم، هو السبيل الوحيد لضمان قطاع سيارات صحي، تنافسي، وآمن، يخدم الاقتصاد الوطني ويضع مصلحة وحماية المستهلك الأردني فوق كل اعتبار. 

المصدر : صحيفة الغد – محمد الزرو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى