المسؤولية الاجتماعيةتقنية المعلومات

رمضان في العصر الرقمي: استراتيجيات نفسية لتعزيز ضبط النفس وتقنين استخدام التكنولوجيا

رقمنة

يعد شهر رمضان المبارك محطة سنوية للتأمل الذاتي وإعادة ترتيب الأولويات، حيث يمنح الصائمين فرصة فريدة لتسخير طاقتهم في العبادة وتعزيز قدرات ضبط النفس. وفي ظل الهيمنة الرقمية، يبرز التساؤل حول كيفية استغلال هذا الشهر لتقليل الانغماس في الشاشات وتحقيق علاقة أكثر توازناً مع التكنولوجيا.

تستحضر الأدبيات النفسية تجارب ‘المارشميلو’ الشهيرة لوالتر ميشيل، والتي أثبتت أن القدرة على تأجيل الإشباع الفوري تعد مؤشراً جوهرياً للنجاح والسعادة المستقبليين. واليوم، لم يعد التحدي مجرد قطعة حلوى، بل أجهزة فائقة الذكاء صُممت خصيصاً لتكون جذابة ومسببة للإدمان السلوكي والاجتماعي.

إن الشركات التقنية الكبرى، مثل نتفليكس وغيرها، تعتمد استراتيجيات برمجية تجعل تدفق المحتوى يبدو بلا نهاية، مما يصعب من عملية الانفصال عن الشاشة. هذه التصميمات تهدف إلى دمج التكنولوجيا بسلاسة في تفاصيل حياتنا اليومية، وهو ما يثير قلق الباحثين حول تأثيراتها العميقة على الإدراك البشري.

تشير دراسات عالمة النفس أنجيلا دكوورث إلى أن النجاح في مقاومة المشتتات الرقمية لا يعتمد فقط على قوة الإرادة اللحظية، بل على ما يسمى ‘القدرة الموقفية على الاختيار’. فالطلاب الذين يبعدون هواتفهم عن محيط رؤيتهم يحققون نتائج أكاديمية أفضل بكثير ممن يحاولون مقاومة إغراء الهاتف وهو أمامهم.

في سياق الصيام، يبرز ‘نموذج القوى’ لضبط النفس، والذي يوضح أن التركيز المكثف على الامتناع عن الطعام والشراب قد يستنزف طاقة الإرادة في البداية. هذا الاستنزاف قد يجعل الصائم أكثر عرضة للإفراط في استخدام الهاتف كنوع من التعويض، لكن الممارسة المستمرة تقوي ‘عضلة’ الإرادة بنهاية الشهر.

لتحسين التفاعل مع التكنولوجيا في رمضان، ينصح الخبراء بتبني استراتيجيات عملية تتجاوز مجرد النية الصادقة، ومن أبرزها إبقاء الهواتف بعيدة عن متناول اليد. كما يمكن وضع حدود مكانية صارمة، مثل منع استخدام الأجهزة في غرف معينة، أو حدود زمنية تتوقف عندها كافة الأنشطة الرقمية.

تعتبر المساءلة الاجتماعية وسيلة فعالة لتعزيز الالتزام، حيث يمكن الاستعانة بأفراد الأسرة أو الأصدقاء لدعم أهداف تقنين الاستخدام. كما يمكن استخدام ‘التكنولوجيا لمحاربة التكنولوجيا’ عبر تطبيقات تقيد وقت الشاشة، أو حتى العودة المؤقتة لاستخدام الهواتف التقليدية البسيطة.

يثور نقاش حول ما إذا كان الأفضل هو الانقطاع التام عن منصات التواصل أو مجرد تقليل الاستخدام، والحقيقة أن الإجابة تعتمد على البديل المقترح. فالتغيير السلوكي الناجح يتطلب استبدال العادة السيئة بنشاط مفيد يملأ الفراغ الزمني والذهني الذي يتركه الابتعاد عن الشاشة.

إن الصيام الرقمي الكامل قد يوفر مساحة للتفكير العميق وتحديد المهام الصحية، لكن التحدي الأكبر يكمن في استدامة هذه العادات بعد انقضاء الشهر الفضيل. فالتغيير الدائم ليس مضموناً ما لم يتحول إلى نمط حياة مستقر يتجاوز دورة الإفراط ثم الامتناع الموسمية.

يمكن استثمار رمضان لتحفيز عمليات ‘الالتهام الذاتي’ النفسي، وهي عملية تجديد الخلايا والقدرات الذهنية من خلال الانضباط. فالأوامر الإلهية تحمل في طياتها فوائد مادية ومعنوية قد لا تدركها العقول بشكل مباشر، لكن العلم الحديث يبدأ في الكشف عن بعض جوانبها.

تؤكد المصادر أن وضع حدود واضحة للأجهزة الذكية يساعد في تحجيم تأثير التطبيقات المصممة للإدمان، مما يفتح آفاقاً جديدة للنمو الروحي. هذا التحرر الجزئي من القيود الرقمية يمنح الصائم طاقة عاطفية ومعرفية أكبر للتركيز على جوهر العبادة والتقرب من الخالق.

إن الحديث القدسي ‘كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به’ يعكس الخصوصية العظيمة لهذه العبادة التي تترفع عن المظاهر المادية. ومن هنا، يصبح الصيام عن المشتتات الرقمية جزءاً من كمال الصيام وتنزيهه عن كل ما يشغل القلب عن غايته السامية.

في نهاية المطاف، يظل النقاش حول فوائد الصيام وضبط النفس مفتوحاً مع استمرار البحوث العلمية في تقديم أدلة جديدة حول مرونة الدماغ البشري. وما لا شك فيه هو أن الانضباط الذي يفرضه رمضان يعد تدريباً مثالياً لمواجهة تحديات العصر الرقمي المتسارعة.

إن تبني عادات تقنية صحية خلال هذا الشهر لا يسهم فقط في تحسين جودة العبادة، بل يؤسس لقاعدة صلبة من الصحة النفسية تستمر طوال العام. فليكن رمضان هذا العام بداية لرحلة واعية نحو استعادة السيطرة على وقتنا وانتباهنا من براثن الخوارزميات. 

جريدة القدس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى