مقالات

خبير حوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك يكتب : عصر الذكاء العضوي…. الاندماج “البيولوجي الرقمي” من خلال الحوسبة الحية

رقمنة

*الدكتور حمزة العكاليك

لم يعد الحديث عن دمج الأنسجة الحية بالدوائر الإلكترونية مجرد سيناريو في روايات الخيال العلمي، بل أصبح واقعا مخبريا يفرضه مأزق تقني. ففي عصر الذكاء العضوي، وهي المرحلة التي ننتقل فيها من محاولة محاكاة الدماغ عبر شرائح السيليكون إلى استخدام الدماغ نفسه، أو أجزاء مستزرعة منه، كمعالج حسابي فائق القدرة. هذا التحول النابع من ضرورة تمليها حقائق فيزيائية واقتصادية؛ فقد اقترب قانون مور من نهايته الحتمية، حيث وصلت الترانزستورات إلى حدود تصغيرها الذرية، بينما أصبح الذكاء الاصطناعي الرقمي وحش طاقة يهدد باستنزاف موارد الكوكب.

إن التباين بين كفاءة الدماغ البيولوجي وأداء السوبر كمبيوتر، هو المحرك الأساسي لهذه الثورة.

فبينما يستهلك الدماغ البشري حوالي 20 واط فقط، لأداء عمليات معقدة للغاية تشمل التعلم، الاستنتاج والإبداع، تحتاج الحواسيب الرقمية إلى ميجاواط من الطاقة لتقترب من مستوى المعالجة نفسه. ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن بناء نسخ رقمية من خلال استزراع خلايا عصبية بشرية وبرمجتها لتصبح هي المعالج المركزي المقبل؟

وتتجه صناعة الحوسبة العالمية نحو أزمة مزدوجة بحلول العام المقبل. فمن جهة، هناك نقص حاد وغير مسبوق في شرائح الذاكرة والسيليكون عالي الجودة نتيجة الطلب الهائل من قبل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ومن جهة أخرى، يبرز التحدي الطاقي كعائق أمام استدامة هذه الأنظمة.

فتدريب نموذج ذكاء اصطناعي واحد كبير يستهلك كهرباء تكفي لإمداد بيت عائلي متوسط لمدة 120 عاماً، بينما تبعث هذه العمليات أطنانًا من الكربون تعادل ما تنتجه خمس سيارات طوال دورة حياتها.

وأشار المحللون، إلى أن الاعتماد على السيليكون وحده لم يعد كافياً، حيث يتوقع أن ينفد السيليكون الصالح للاستخدام في الذاكرة بحلول العام 2040، إذا استمر معدل النمو الحالي. وهذا الضغط يدفع الشركات الكبرى مثل “مايكروسوفت”، للاستثمار في بدائل ثورية، حيث يتم الآن النظر إلى الخلايا الحية والحمض النووي ليس ككائنات حية، بل كـعتاد صلب يتفوق على أي شريحة إلكترونية صنعها الإنسان حتى الآن.

ولربط هذا اللحم الحي بالكمبيوتر، يتم وضع الخلايا العضوية فوق شريحة إلكترونية تسمى مصفوفة الأقطاب الكهربائية الدقيقة. تعمل هذه الشريحة كمترجم ثنائي الاتجاه؛ فهي تقرأ النبضات الكهربائية الصادرة عن الخلايا الحية وتحولها إلى أرقام، كما ترسل نبضات كهربائية من الكمبيوتر إلى الخلايا لتحفيزها. هذا التداخل بين السيليكون والبروتين يخلق نظاماً هجيناً قادراً على معالجة المعلومات بطرق تفوق قدرة الخوارزميات التقليدية.

في العام الماضي، برزت منظومة برينووير كأول حاسوب هجين يدمج عضويات دماغية بشرية مع الذكاء الاصطناعي التقليدي لأداء مهام حقيقية. ولقد تمكن هذا النظام من التعرف على أصوات المتحدثين اليابانيين بدقة بلغت 78 %، بعد يومين فقط من التدريب. والأكثر إثارة هو أن هذا النظام قلل من وقت التدريب اللازم بنسبة 90 %، مقارنة بالأنظمة الرقمية البحتة، مما يثبت أن المرونة العصبية للخلايا الحية هي المفتاح لتجاوز اختناقات الحوسبة الحالية.

وإذا كان العقل الحيوي هو المعالج، فإن الطبيعة تقدم لنا أيضاً الوسيط الأمثل للتخزين: الحمض النووي. فالأقراص الصلبة الحالية تعاني من محدودية العمر (10-30 سنة) وكثافة منخفضة، بينما الحمض النووي يدوم لآلاف السنين.

وأكدت البيانات التقنية للعام الماضي، أن جراماً واحداً من الحمض النووي يمكنه تخزين 215 بيتابايت من البيانات، وهو ما يعادل كل ما هو موجود على الإنترنت اليوم. وتعمل شركة “تويست بايو ساينس” بالشراكة مع “مايكروسوفت” على تسويق هذه التقنية، حيث أعلنتا عن شركة “أطلس داتا ستوريج”، التي تهدف لتوفير تخزين على نطاق تيرابايت العام الحالي، مع وعد بضغط 13 تيرابايت من البيانات، في قطرة ماء واحدة.

وهذه الثورة لا تحل مشكلة المساحة فحسب، بل تحل مشكلة الطاقة؛ إذ إن تخزين البيانات في الحمض النووي لا يتطلب طاقة بمجرد كتابته، مما يجعله الحل الأمثل “للأرشيف البارد” للبيانات البشرية.

وفي ظل نقص السيليكون المتوقع، ستكون الحوسبة الحيوية هي المخرج الوحيد لاستمرار تطور الذكاء الاصطناعي من دون الاعتماد على سلاسل توريد المعادن النادرة. والشركات التي ستتبنى تخزين الـ”DNA” ستخفض تكاليف صيانة مراكز البيانات بنسبة تصل إلى 99 %، مما يغير موازين القوى في وادي السيليكون.

إن المستقبل الذي يلوح في الأفق ليس مجرد تحسين في سرعة المعالجة. بل هو اندماج كامل، حيث يكون المعالج لحماً والذاكرة حمضاً نووياً. وعلى الرغم من أن الضرورتين الطاقية والفيزيائية دفعتا للهروب من السيليكون إلى البيولوجيا، إلا أن الثمن قد يكون إعادة تعريف معنى الوعي ذاته.

فيجب وضع أطر حوكمة صارمة لهذا الذكاء الحي، لأننا في اللحظة التي سيقول فيها المعالج الحيوي “أنا أتألم”، سنكون قد عبرنا نقطة اللاعودة في علاقتنا بالآلة.

*خبير حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي

المصدر : صحيفة الغد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى