مقالات

خبير حوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك يكتب : فقاعة الذكاء الاصطناعي ….حين تدور المليارات في دائرة مغلقة

رقمنة 

*الدكتور حمزة العكاليك 

هل نحن أمام ثورة حقيقية أم فقاعة استثمارية جديدة؟ هذا السؤال يعود اليوم بقوة مع الذكاء الاصطناعي، بعد أن تجاوزت القيم السوقية لشركاته عتبة التريليونات، واندفعت رؤوس الأموال نحوه بوتيرة غير مسبوقة. غير أن ما يميز اللحظة الراهنة ليس حجم الاستثمار فحسب، بل طبيعة العلاقات المتشابكة بين كبار اللاعبين، وعلى رأسهم إنفيديا وOpenAI، في دائرة مغلقة تبدو فيها المليارات وكأنها تعيد تدوير نفسها داخل المنظومة ذاتها.

 المشهد يبدو، للوهلة الأولى، منطقياً: إنفيديا، الشركة المسيطرة على سوق الشرائح المتقدمة، تستثمر في OpenAI عبر البنية التحتية ومراكز البيانات، بينما تعتمد OpenAI في نماذجها العملاقة على شرائح إنفيديا، وتعيد ضخ مليارات الدولارات في شراء هذه المعالجات لتلبية الطلب المتصاعد. هذه العلاقة التكاملية، التي تُسوَّق باعتبارها شراكة استراتيجية، خلقت في الواقع حلقة استثمارية مغلقة، تتضخم فيها التقييمات السوقية نتيجة تداول الأموال بين عدد محدود من الشركات، لا نتيجة توسع فعلي في قاعدة القيمة المضافة للاقتصاد ككل.

هذا النمط يعيد إلى الأذهان فقاعة الدوت كوم في نهاية التسعينيات، حين كانت الشركات تقيَّم بمليارات الدولارات لمجرد ارتباطها بالإنترنت، دون نماذج ربح واضحة أو تدفقات نقدية مستقرة. يومها، كانت المؤشرات ترتفع مدفوعة بالتوقعات لا بالوقائع، إلى أن انهارت فجأة، وتبخر معها ما يقارب 78 % من قيمة مؤشر ناسداك خلال عامين. الفارق اليوم أن الذكاء الاصطناعي ليس فكرة نظرية، بل تقنية ناضجة تُستخدم فعلياً في الطب والصناعة والقطاع المالي والقانوني، إلا أن نضج التكنولوجيا لا يمنع تشكل فقاعة حولها.

وتكمن الخطورة في أن جزءا كبيرا من الاستثمارات الحالية لا يذهب إلى تطبيقات إنتاجية مستقلة، بل إلى توسيع القدرة الحاسوبية نفسها. وفق تقارير حديثة، تجاوز حجم الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي 140 مليار دولار في عام واحد، مع توقعات ببلوغه قرابة 200 مليار خلال فترة قصيرة. لكن هذه الأرقام، على ضخامتها، تتركز بشكل لافت في البنية التحتية والشرائح ومراكز البيانات، ما يعني أن القيمة تدور داخل السلسلة ذاتها، بينما لا تزال كثير من الشركات الناشئة عاجزة عن تحقيق أرباح تشغيلية حقيقية.

من منظور حوكمة البيانات، تطرح هذه الحلقة المغلقة إشكاليات عميقة. فالشركات الكبرى لا تهيمن فقط على رأس المال، بل على البيانات والقدرة الحاسوبية ومعايير التطوير. هذا التركّز يحدّ من المنافسة، ويجعل الابتكار مرهوناً بإرادة عدد ضئيل من المنصات العملاقة. كما أنه يخلق مخاطر نظامية: أي تعثر في هذه الحلقة، سواء بسبب تشريعات صارمة أو صدمة مالية أو فشل تقني كبير، قد ينعكس على السوق بأكمله، تماماً كما حدث عند انفجار فقاعة الإنترنت.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي يحقق تحولات ملموسة في التحول الرقمي. في القطاع الصحي، تُستخدم الخوارزميات لتحليل الصور الطبية بدقة تتجاوز في بعض الحالات الأداء البشري. في الصناعة، تقلل أنظمة الصيانة التنبؤية من الأعطال وتوفر ملايين الدولارات. وفي القطاع القانوني، باتت أدوات تحليل العقود والبحث القضائي تقلص الوقت والكلفة بشكل جذري. هذه الاستخدامات تمنح الذكاء الاصطناعي أساساً واقعياً لم يكن متوافراً لشركات الدوت كوم قبل ربع قرن.

غير أن الخطر لا يكمن في التقنية نفسها، بل في المبالغة بتسعير المستقبل. حين تُقيَّم شركات لم تحقق أرباحاً بعد بعشرات المليارات، فقط لأنها ذكاء اصطناعي، يصبح السوق أسير السردية لا الأرقام. وحين تتقاطع مصالح المستثمر والمزوّد والمستهلك داخل دائرة واحدة، تتآكل آليات التقييم المستقل، ويصبح السؤال: من يموّل من، ولماذا؟

الخاتمة ليست تحذيراً من الذكاء الاصطناعي، بل دعوة إلى العقلانية. نحن على الأرجح لا نعيش فقاعة مطابقة لفقاعة الدوت كوم، لكننا نقترب من منطقة تصحيح محتملة، ستفصل بين القيمة الحقيقية والضجيج الاستثماري. المستقبل لن يكون لمن يملك أقوى شريحة فقط، بل لمن يحسن حوكمة البيانات، ويبني نماذج أعمال مستدامة، ويدرك أن التحول الرقمي ليس سباقاً على التريليونات، بل مشروع ثقة طويلة الأمد. 

*خبير في حوكمة البيانات والتحول الرقمي

المصدر : صحيفة الغد اليومية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى