
رقمنة
*سلطان شلختي
في الوقت الذي تتسارع فيه التحولات الرقمية عالميًا، يبرز سؤال جوهري أمام بلد مثل الأردن: كيف نحوّل طاقة الشباب إلى قوة إنتاجية قادرة على بناء اقتصاد رقمي مستدام؟ الإجابة ليست في تأسيس شركات تقنية فحسب، بل في بناء ثقافة الابتكار، التصميم، والبرمجة كركائز أساسية لاقتصاد المستقبل.
من التعليم إلى التمكين يمتلك الأردن ثروة بشرية شابة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الطاقات إلى مهارات عملية قادرة على المنافسة. فبينما يكتفي كثير من البرامج التعليمية بالمعرفة النظرية، يواجه السوق نقصًا في الكفاءات التي تجمع بين التفكير التصميمي، الفهم التقني، والقدرة على تحويل الفكرة إلى منتج قابل للحياة.
وهنا يأتي دور المؤسسات الأكاديمية في تبني مناهج تركّز على “التعلّم التطبيقي” لا التلقين، ودمج مفاهيم مثل تجربة المستخدم، تطوير البرمجيات، والتصميم كمسار متكامل يبدأ في الصف وينتهي في سوق العمل. بيئة تحتضن الأفكار حتى أكثر العقول إبداعًا تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالتجربة. فغياب الحاضنات والمسرّعات المتخصصة في مجالات التصميم والتطوير يجعل كثيرًا من الأفكار تموت قبل أن ترى النور.
ولذلك، من الضروري بناء منظومة وطنية تدعم الشباب في مراحلهم الأولى: تمويل أولي بسيط، مساحات عمل مشتركة، إرشاد من خبراء، وفرص للوصول إلى السوق المحلي. هذه الخطوات الصغيرة كفيلة بتحويل أفكار الطلبة والمطورين إلى مشاريع إنتاجية حقيقية تخلق وظائف وتدرّ دخلاً. الابتكار كرافعة للدخل القومي حين تتحول المعرفة التقنية إلى منتجات رقمية قابلة للتصدير، يبدأ الأثر الاقتصادي بالظهور.
فكل تطبيق أو نظام يُطوَّر محليًا هو قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. يمكن للأردن أن يبني ميزته التنافسية في قطاعات مثل التحول الرقمي، تجربة المستخدم، البرمجيات الحكومية، الحلول التعليمية، والخدمات المالية الرقمية. وبينما تعتمد دول كثيرة على تصدير الموارد الطبيعية، يستطيع الأردن أن يصدّر العقول والابتكارات — وهي ثروة لا تنضب. جيل جديد من المبدعين جيل اليوم لا يبحث فقط عن وظيفة، بل عن معنى وتأثير.
من هنا تأتي أهمية بناء ثقافة “الريادة داخل المنظومات” (Intrapreneurship)، أي تمكين الشباب من الابتكار داخل مؤسساتهم دون الحاجة لتركها. هذه الروح هي ما سيخلق جيلًا من المصممين والمطورين القادرين على تطوير الخدمات الحكومية والخاصة، ورفع جودة الحياة الرقمية في المجتمع. من الفكرة إلى المنظومة إن تحقيق هذا التحول لا يمكن أن يتم بمبادرات فردية فقط، بل عبر تعاون مؤسسي بين القطاعين العام والخاص والجامعات والمستثمرين.
منصة وطنية تجمع المواهب، الأفكار، التمويل، والفرص يمكن أن تكون نواة لـ “المنظومة الوطنية للابتكار الرقمي” التي تضع الأردن على خريطة الابتكار في الشرق الأوسط. فحين يتم الاستثمار في الإنسان أولًا، تصبح التقنية أداة للنهوض لا غاية بحد ذاتها. ختامًا إن تطوير الابتكار في الأردن ليس حلمًا بعيدًا، بل مسار يمكن تحقيقه إذا وُضعت له رؤية واضحة تقوم على تمكين الشباب، وتحديث التعليم، وتحفيز بيئة الإبداع. الشباب الأردني يمتلك الموهبة والعزيمة، وما يحتاجه هو الفرصة والمساحة ليُبدع ويقود.
وحين نمنحهما، سنرى اقتصادًا معرفيًا يرفع الدخل القومي، ويضع الأردن في موقعه الطبيعي كمنارة للتقنية والإبداع في المنطقة.
خبير تجربة المستخدم والابتكار الرقمي




