مقالات

خبير التقنية وحوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك يكتب : الكابلات البحرية….. هل أصبحت رهينة نقاط الاختناق المائية؟

كما وصلت سعة تدفق البيانات في العام الحالي عبر منطقة البحر الأحمر إلى مستويات غير مسبوقة مدفوعة بدخول جيل جديد من الكابلات العملاقة إلى الخدمة. فكابل 2Africa الذي يعد أضخم نظام كابلات مفتوح في العالم بطول 45,000 كيلومتر يوفر سعة تصل إلى 180 تيرابت في الثانية. كما عزز كابل Africa-1 الربط بين القارات بسعة تصل إلى 96 تيرابت في الثانية. ومع ذلك، فإن هذا التراكم الكمي للبيانات في ممر مائي ضيق يخلق ما يعرف بـ”خطر الفشل الموحد”، حيث يمكن لحادث واحد أن يشل أنظمة عدة في آن واحد.

وإذا ما حدث انقطاع في كابلات باب المندب، تُجبر البيانات على اتخاذ مسارات بديلة طويلة، وأبرزها الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. هذا المسار ليس مجرد زيادة في المسافة الجغرافية، بل هو انفجار في زمن التأخير، مما يضيف مسافة تتراوح بين 10,000 و15,000 كيلومتر، وهذا يترجم تقنياً إلى زيادة تتراوح بين 100 و120 ميللي ثانية في رحلة البيانات ذهاباً وإياباً. وبالنسبة لأنظمة التداول المالي عالي التردد، حيث تقاس الأرباح والخسائر بالميكروثانية، فإن هذه الزيادة تعد انقطاعاً فعلياً للخدمة.

وإذا كان باب المندب هو ممر العبور العالمي، فإن مضيق هرمز هو الشريان الحيوي للسيادة الرقمية لدول مجلس التعاون الخليجي. فمع توسع مشروعي رؤية 2030 في السعودية ونحن الإمارات 2031، تحول المضيق إلى نقطة ارتكاز لمناطق الحوسبة السحابية.

وتكمن الخطورة التقنية في مضيق هرمز في أن جميع الكابلات البحرية التي تمر عبره تضطر للالتزام بمسارات ضيقة جداً داخل المياه الإقليمية العُمانية لتجنب المياه الإيرانية. فهذا الازدحام في قاع البحر يزيد من احتمالية وقوع أعطال عرضية ناتجة عن رسو السفن أو أنشطة الصيد التي زادت بنسبة كبيرة في العام الحالي.

وعند تعطل المسارات البحرية في الخليج، تبرز المسارات البرية كبديل اضطراري. ومع ذلك، فإن التحول إلى كابلات مثل JADI (جدة – عمان – دمشق – إسطنبول) أو RCN (الشبكة الإقليمية للكابلات) يواجه تحديات تتعلق بالتكلفة والسعة. كما تفرض بعض الدول رسوم عبور عالية جداً قد تصل إلى 300 مليون دولار للكابل الواحد، مما يرفع تكلفة نقل البيانات بنسبة قد تصل إلى 300% مقارنة بالمسارات البحرية.

والانقطاع الفيزيائي للكابلات ليس التهديد الوحيد؛ فإجبار البيانات على المرور بمسارات بديلة يخلق مخاطر أمنية تتعلق بخصوصية البيانات. فعندما تتعطل المسارات البحرية الدولية تضطر البيانات للمرور عبر شبكات برية تخضع لسيادة دول قد تختلف معاييرها الأمنية عن المعايير العالمية.

ولمواجهة هذا الارتهان للمضائق، بدأت دول المنطقة في تنفيذ استراتيجيات تهدف إلى خلق مسارات هجينة تضمن استمرارية التدفق الرقمي تحت أي ظرف. وعليه، تقود المملكة العربية السعودية هذا التوجه من خلال استغلال موقعها الجغرافي الفريد كحلقة وصل بين القارات الثلاث. فمشروع  center3 يهدف إلى دمج محطات إنزال الكابلات البحرية مع مراكز بيانات محايدة وتوصيلها بشبكة ألياف بصرية برية عابرة للصحراء. فهذا المسار يسمح للبيانات القادمة من الهند بالدخول من ساحل الخليج العربي والخروج من ساحل البحر الأحمر متجاوزة مضيقي باب المندب وهرمز تماماً.

كما برزت الأقمار الاصطناعية في المدار المنخفض، مثل Starlink وProject Kuiper، كحلول حيوية لمواجهة انقطاع الكابلات. ففي العام 2025، أضافت SpaceX أكثر من 270 تيرابت من السعة الجديدة. ورغم أن هذه السعة لا تكفي لاستبدال الكابلات البحرية بالكامل، إلا أنها توفر طوق نجاة للاتصالات الحكومية الحساسة والعمليات العسكرية والخدمات المالية الأساسية في حالة حدوث تعتيم رقمي ناتج عن أعمال تخريبية في المضائق.

إن التحول من نموذج الاعتماد البحري الوحيد إلى نموذج المرونة الهجينة هو الذي سيحدد الناجين في الاقتصاد الرقمي القادم. فلم تعد الكابلات البحرية مجرد أسلاك، بل هي حدود سيادية تتطلب حماية عسكرية ودبلوماسية رقمية وابتكاراً تقنياً مستمراً. إن الاستعداد للحظة الانقطاع ليس خياراً، بل هو جوهر حوكمة التحول الرقمي في عالم لم يعد يعترف بالمسافات ولكنه ما يزال يخشى نقاط الاختناق. 

*الخبير في مجال حوكمة البيانات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى