امن المعلوماتتطبيقات

خبراء: الأردن يتخذ خطوة استباقية لحماية اليافعين من مخاطر الانترنت

رقمنة

أكد خبراء ومختصون في تكنولوجيا المعلومات، أن قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة وطنية متخصصة لحماية الأطفال واليافعين من مخاطر الفضاء السيبراني، يأتي استجابة استباقية لواقع معقد؛ حيث يواجه الجيل الجديد تهديدات متطورة تبدأ من التنمر الإلكتروني والابتزاز، وصولا إلى الاستقطاب الفكري والاستغلال الرقمي.
وقالوا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن تحقيق الحماية الرقمية للأطفال واليافعين يتطلب العمل المتوازي على مجموعة من المحاور المتكاملة، مبينين أن الأهمية الاستراتيجية في القرار تكمن في الانتقال من “ردة الفعل” إلى “الاستباق”.
وبحسب القرار، ستتولى اللجنة التنسيب بالإجراءات الضرورية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، والخروج بآليات تنفيذ عملية يتم العمل بها من قبل الجهات المعنية، بما في ذلك مزودو خدمات الإنترنت والمنصات ذات العلاقة، ضمن مدة زمنية محددة.
وأكد خبير أمن المعلومات والجرائم الإلكترونية الدكتور عمران سالم، أن قرار مجلس الوزراء، يأتي استجابة استباقية لواقع معقد؛ حيث يواجه الجيل الجديد تهديدات متطورة تبدأ من التنمر الإلكتروني والابتزاز، وصولا إلى الاستقطاب الفكري والاستغلال الرقمي.
وأضاف أن أهمية هذه اللجنة تتمثل في 3 أبعاد رئيسية؛ أولها البعد التشغيلي والقانوني، من خلال سد الثغرات التشريعية التي قد تستغلها الجرائم الإلكترونية الناشئة، وتوفير مظلة قانونية تحمي القاصرين دون المساس بخصوصيتهم.
وثانيها البعد التقني الرقابي، عبر مواكبة التطورات في خوارزميات الذكاء الاصطناعي والمنصات المشفرة التي قد تستخدم غطاء لأنشطة ضارة، وتوطين أدوات رقابية ذكية تنسجم مع القيم المجتمعية.
أما البعد الثالث فهو الوقائي المستدام، ويقوم على التحول من نهج “رد الفعل” بعد وقوع الجريمة إلى نهج “التحصين الرقمي” الشامل، من خلال بناء وعي جمعي تشارك فيه الأسرة والمدرسة ومؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن المراجعة التشريعية المستمرة تعد حجر الزاوية لضمان فعالية الحماية الرقمية، ويسعى هذا المسار إلى تحديث الأطر القانونية لتصبح أكثر استجابة لخصوصية الأطفال، مع فرض مسؤوليات واضحة على منصات التواصل الاجتماعي، لضمان بيئة رقمية آمنة ومسؤولة.
ولفت إلى أن تنفيذ مهام اللجنة قد يتطلب مراجعة لبعض النصوص القانونية مثل قانون الجرائم الإلكترونية، وقانون الحماية من العنف الأسري، وتشريعات حماية البيانات الشخصية، لضمان بروتوكولات خاصة لكيفية معالجة بيانات الأطفال الحساسة من قبل المنصات.
وقال سالم، إن دمج الذكاء الاصطناعي في المنظومة الأمنية يمثل قفزة نوعية للانتقال من الرقابة التقليدية إلى الحماية الاستباقية، عبر خوارزميات ذكية قادرة على رصد المحتوى الضار وتحليله آليا في الوقت الفعلي، حيث تضمن هذه الأدوات التقنية دقة عالية في الكشف عن التهديدات الرقمية مع تقليل التدخل البشري، لضمان السرعة والخصوصية.
وأوضح أن مواجهة الظواهر الخطرة، مثل الابتزاز والألعاب الانتحارية، تتطلب استراتيجية أمنية متعددة المستويات تجمع بين الحزم القانوني والحلول التقنية المتقدمة، لضمان بيئة رقمية خالية من الاستغلال، ويتم ذلك من خلال بناء منظومة متكاملة تبدأ من التوعية الوقائية وتنتهي بالتدخل الأمني السريع لردع المعتدين وحماية الضحايا في الوقت المناسب.
بدوره، قال المتخصص في هندسة وأمن شبكات الحاسوب في الجامعة الأميركية في مادبا الدكتور بشير الدويري، إن تحقيق الحماية الرقمية للأطفال واليافعين يتطلب العمل المتوازي على مجموعة من المحاور المتكاملة، بحيث لا يختزل الأمر في إجراء تقني واحد.
وأوضح أنه يمكن تزويد الوالدين عبر أنظمة رقابة أبوية ذكية بتقارير نشاط وتنبيهات مبكرة عند رصد مؤشرات خطر حقيقية، دون الحاجة إلى الاطلاع المستمر على جميع الرسائل أو انتهاك خصوصية الأبناء، كما تحدد من خلالها فترات استخدام الانترنت وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي.
ويراعى في ذلك اعتماد نموذج متدرج يتيح رقابة أوسع للأطفال الأصغر سنا، مقابل أدوات إشراف أكثر مرونة للمراهقين، مدعومة بتحليل ذكي للمخاطر وتصفية محتوى على مستوى الجهاز أو الشبكة المنزلية.
وقال الدويري إن هذا النهج يحقق توازنا عمليا بين متطلبات الحماية واعتبارات الخصوصية، ويجعل التكنولوجيا شبكة أمان رقمية تدعم دور الأسرة دون اللجوء إلى رقابة عامة أو تقييد الاستخدام المشروع للإنترنت.
وبين أنه في الإطار المؤسسي، يمكن إنشاء منصة وطنية موحدة للإبلاغ تعتمد على التحليل الفوري لتصنيف البلاغات حسب درجة الخطورة، مع تحويل الحالات العاجلة إلى الجهات المختصة بسرعة وكفاءة.
وأضاف أنه يجب أن تعمل هذه المنظومة ضمن ضوابط واضحة لحماية البيانات والخصوصية مع مراجعة بشرية دورية وتعاون تقني منظم مع المنصات العالمية، لتسريع إزالة المحتوى الضار، لافتا إلى أن التوعية تبقى الركيزة الأساسية، إذ لا تكفي الحلول التقنية وحدها لمواجهة المخاطر المتغيرة.
وشدد الدويري على ضرورة إطلاق استراتيجية وطنية مستدامة تستهدف الأطفال وأولياء الأمور والمعلمين، وتركز على بناء “المناعة الرقمية”.
من جهته، قال استشاري التحول الرقمي والتقنيات الحديثة المهندس بلال الحفناوي، إن الأهمية الاستراتيجية في القرار تكمن في الانتقال من “ردة الفعل” إلى “الاستباق”، مشيرا إلى أنه ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تأكيد بأن الفضاء الرقمي أصبح بيئة سيادية تتطلب حماية، كالحماية المادية والأملاك والحدود.
ومن منظور هندسي، نحن نتعامل مع “خوارزميات التوصية” والتي صممت لزيادة وقت الاستخدام دون اعتبار للمحتوى أو الفئة العمرية، ما يجعل وجود لجنة وطنية بمثابة “جدار حماية” تنظيمي وتشريعي.
ودعا إلى العمل في 3 مسارات مهمة وهي: “المسار التنظيمي” عن طريق فرض معايير التصميم الآمن افتراضيا على الشركات المزودة للخدمات داخل الأردن، وضمان امتثالها لسياسات الخصوصية وحماية البيانات للأطفال، و”المسار التقني” من خلال دعم وتطوير أدوات الفلترة والرقابة الأبوية التي تتوافق مع الثقافة واللغة المحلية، وتفعيل آليات التبليغ السريع عن المحتوى الضار بالتعاون مع وحدة الجرائم الإلكترونية، و”المسار التوعوي” إذ أن الأمية الرقمية هي الثغرة الأكبر، لذلك يمكن مأسسة تعليم مفاهيم المواطنة الرقمية في المناهج.
وبخصوص التحديات التقنية التي ستواجه اللجنة، يرى الحفناوي، أن أهم التحديات تكمن في “تشفير البيانات”، حيث يصعب مراقبة المحتوى في التطبيقات المشفرة، ما يتطلب حلولا تعتمد على التوعية أكثر من المنع التقني، وكذلك تحدي “الذكاء الاصطناعي التوليدي”، حيث أن التزييف العميق والتنمر باستخدام الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي يتطلب مواكبة تقنيات لحظية لحل هذه المشاكل.
وأخيرا تحدي “عولمة المنصات” حيث أن الشركات الكبرى غالبا ما تضع قوانينها الخاصة، وهنا تبرز أهمية السيادة الرقمية لفرض الإرادة الوطنية على هذه المنصات.
وبين أن القرار يفتح الباب لمشاريع استراتيجية مهمة للأردن وللمنطقة العربية ومنها تطوير مؤشر أمان رقمي وطني للأطفال، وبناء أطر عمل لتقييم المخاطر الخوارزمية على اليافعين.
وأكد الحفناوي أن هذا القرار هو خطوة في غاية الأهمية لردم الفجوة بين التطور التقني المتسارع والبطء التشريعي، ويعتمد على تحويل “التوصيات” إلى “بروتوكولات تقنية” ملزمة للمنصات.
بترا – غادة حماد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى