
فوفق تحليلات خبراء في قطاع المياه، أكدوا في تصريحات لـ”الغد”، أن الندرة المطلقة للمياه في المملكة، تحتّم الانتقال من إدارة تقليدية تقوم على ردود الفعل إلى إدارة استباقية، قائمة على التخطيط طويل الأمد والتكنولوجيا الذكية، بحيث لم يعد موضوع المياه مسألة تقنية أو خدمية حسب، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.
وأشارت تقديرات المختصين، إلى أن نصيب الفرد من المياه المتجددة في الأردن نحو 61 م3 سنويا، وهو مستوى يضع المملكة في فئة الدول الأكثر فقرا مائيا، لذا فالمشكلة لا تقتصر على الكميات، بل تشمل جودة الخدمة وكفاءة الحوكمة وتكاليف التوزيع، ما يجعل استدامة الإمدادات تحديا يوميا للمواطن. كما أن الحلول التقليدية لم تعد كافية، إذ تتطلب المرحلة المقبلة إرادة سياسية واضحة، وتحولات جذرية تعتمد على التكنولوجيا والابتكار المحليين، وإشراك المجتمع بترشيد الاستهلاك لضمان مستقبل مائي مستدام.
ودعوا لأهمية إعادة توزيع الموارد المائية بعدالة، ومنح الأولوية للاستخدامات المنزلية والصحية، مقابل خفض تدريجي لحصة الزراعة، مع تعويض القطاع الزراعي باعتماد تقنيات ري حديثة ومحاصيل مقاومة للجفاف، ما يرفع العائد الاقتصادي مع استهلاك أقل للمياه.
ويأتي مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، كمشروع إستراتيجي يعزز المصادر المائية، لكنه يحتاج لدعم مشاريع تحلية إضافية لتلبية الطلب المتزايد على المياه.
ومن جانب آخر، أكدت تحليلات الخبراء، أن تعزيز الشراكات الإستراتيجية، إقليميا أو دوليا، يعد ركنا أساسيا لتحقيق الأمن المائي؛ فالشراكات بين القطاعين العام والخاص تمكّن الأردن من تطوير مشاريع كبرى قابلة للتمويل، كما أن التحالفات الدولية كتحالف التعاون في المياه العابرة للحدود، توفّر منصات لدعم المشاريع المشتركة وحماية الموارد المائية. وتعد المبادرات العالمية كأجندة التحول للاستثمار في المياه 2026-2030، ومبادرات مقايضة الديون بالطبيعة، أدوات مهمة لدعم التحولات الوطنية وضمان الاستدامة.
تحديات عسكرية وسياسية متزايدة
الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري باسم طلفاح، أكد أن إحياء اليوم العالمي للمياه يأتي في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات عسكرية وسياسية متزايدة، إلى جانب آثار التغير المناخي، ما يفرض على إدارة قطاع المياه في الأردن إدراك الحاجة لإعادة صياغة جذرية للسياسات المائية، للانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الموارد على نحو استباقي.
وقال طلفاح، إن التعامل مع ملف المياه لم يعد ممكنا بوصفه مسألة تقنية أو خدمية فقط، بل أصبح من الضروري اعتباره جزءا مرتبطا مباشرة بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. مضيفا أن الإستراتيجية الوطنية تشير إلى أن نصيب الفرد من المياه المتجددة يقارب 61 م3 سنويا، ما يضع المملكة ضمن فئة الندرة المطلقة للمياه، ورغم ذلك فإن أكثر من 99 % من السكان لديهم وصول محسن لخدمات المياه.
وأكد أن المشكلة، لا تتعلق بالكمية فقط، بل بالخدمة والحوكمة والكلفة، إذ إن استمرارية التزويد ما تزال ضعيفة، كما أن نحو نصف السكان يتلقون المياه لمدة 24 ساعة أسبوعيا أو أقل، فيما يحصل النصف الآخر على المياه لمدة تتراوح بين 24 و48 ساعة أسبوعيا.
وبين طلفاح أن معادلة الأمن المائي في الأردن معقدة، لكنها ليست مستحيلة، مشيرا إلى أن التحولات المطلوبة تتطلب إرادة سياسية واضحة واستمرارية بتنفيذ الخطط بعيدة المدى بعيدا عن الحلول المؤقتة.
وأوضح أن نجاح هذه التحولات، مرهون بقدرة الأردن على المواءمة بين الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار محليا، وبناء شراكات إقليمية ذكية قائمة على تبادل المصالح، وإشراك المواطن كشريك في عملية الترشيد والحفاظ على كل قطرة ماء، بما يضمن مستقبلا مائيا آمنا ومستداما للأجيال.
وأكد أن المرحلة المقبلة، تفرض أيضا وجود قيادات إدارية في القطاع، تتمتع بالكفاءة وبعد النظر والقدرة على استشراف المستقبل وتحويله إلى خطط قابلة للتطبيق، لافتا إلى أن التحولات الإستراتيجية تتطلب الانتقال من الإدارة التقليدية القائمة على ردود الفعل ونظام الفزعة، إلى نموذج الحوكمة الذكية المعتمد على التكنولوجيا.
وأشار طلفاح إلى أن هذا التحول يعني أن تشهد إدارة المياه تحولا رقميا حقيقيا عبر تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، وتسريع تركيب أنظمة المراقبة والتحكم والعدادات الذكية، التي تتيح للمواطن متابعة استهلاكه للمياه باستمرار، وتسهم باكتشاف التسرب وتقليل الفاقد فورا.
وقال إن هذه الأنظمة، تساعد بتحويل شبكات المياه إلى منظومة ذكية قادرة على تعزيز كفاءة الإدارة وضمان استدامة الموارد المائية، مبينا أن الحوكمة الذكية، تشمل أيضا اعتماد أدوات النمذجة والتنبؤ، إذ يتيح الذكاء الاصطناعي تطوير نماذج محاكاة للتنبؤ بالطلب على المياه، وتحديد المناطق الأكثر حاجة، وتحليل بيانات مناخية متعددة، لوضع إستراتيجيات أكثر كفاءة لتخزين المياه وإدارة الأزمات المائية.
وأضاف طلفاح أن من بين التحولات المهمة أيضا، الانتقال من الاعتماد على المصادر التقليدية إلى تبني مفهوم الاقتصاد الدائري للمياه، عبر التوسع باستخدام المياه المعالجة.
وأضاف أن الإستراتيجية الوطنية للمياه للأعوام 2023- 2040، أظهرت بأن المياه المعالجة والمعاد استخدامها تشكل حاليا 20 % من مصادر المياه، موضحا بأن الحكومة تسعى للتوسع بمعالجة مياه الصرف الصحي وتحسين جودتها، لإعادة استخدامها على نحو آمن في قطاعات الري والزراعة والصناعة. معتبرا أن ذلك يخفف الضغط على مصادر المياه العذبة، مؤكدا أهمية توسيع إعادة استخدام المياه في القطاعات الصناعية باستخدام مياه معالجة ثلاثيا، أو اعتماد أنظمة تبريد هوائية، مع التأكيد على عدم استخدام مياه الشرب في التبريد لمراكز البيانات أو الصناعات.
وأوضح أن الإستراتيجية الوطنية للمياه، خريطة طريق طموح للانتقال من ردود الفعل قصيرة المدى إلى التخطيط الاستباقي طويل الأمد، بما يضمن التحول من إدارة الأزمة السنوية إلى التخطيط الإستراتيجي بعيد المدى. لافتا لتبنيها تخفيض الفاقد المائي بنسبة 2 % سنويا، للوصول إلى 25 % بحلول العام 2040، وذلك باستبدال الشبكات المتقادمة وتحسين عمليات الصيانة.
وأشار طلفاح إلى أن الإستراتيجية تضمنت أيضا تبني سياسة واضحة لإعادة توزيع الموارد المائية بعدالة، مع إعطاء الأولوية للاستخدامات المنزلية والصحية، مقابل خفض تدريجي لحصة الزراعة التي تعد الأكثر استهلاكا للمياه بنسبة قد تصل لـ30 % خلال 10 سنوات. مشددا على أن هذا التوجه يقترن بتعويض القطاع الزراعي عبر تبني أنشطة بديلة وتقنيات حديثة، تحقق عائدا اقتصاديا أعلى باستخدام مائي أقل، مشددا على أن هذا التحول، يستند إلى الانتقال من الزراعة كثيفة الاستهلاك للمياه إلى الزراعة الذكية مناخيا.
وبين أنه عبر تبني تقنيات الري الحديثة والري الدقيق الذي يعتمد على أجهزة الاستشعار وتحليل احتياجات المحاصيل، وفقا لظروف التربة والطقس، ما يسهم بتقليل الهدر إلى الحد الأدنى. مشيرا إلى أهمية التوسع بزراعة محاصيل مقاومة للجفاف، ذات قيمة اقتصادية عالية واحتياجات مائية منخفضة، بدلا من المحاصيل التقليدية كثيفة الاستهلاك للمياه، مؤكدا عدم اقتصار تعزيز الأمن المائي على التحولات الداخلية فقط، بل يتطلب أيضا سياسات مبتكرة وبناء شراكات إقليمية ودولية فاعلة.
وأوضح طلفاح، بأن من أبرز هذه التوجهات؛ الاعتماد على مشاريع كبرى ومبتكرة كـ”الناقل الوطني” الذي يعد أحد المشاريع الإستراتيجية لتعزيز مصادر المياه بالمملكة، مضيفا أن المرحلة المقبلة تتطلب أيضا تبني تشريعات وسياسات وقائية وملزمة، بما يتيح للأردن فرصة التحول لمركز إقليمي للبيانات مع ضمان حماية موارده المائية.
وأشار إلى أهمية إدخال مفهوم البصمة المائية كشرط أساسي بتراخيص أي مشروع كبير كمراكز البيانات، بحيث يُحدد سقفٌ مائي واضح للاستهلاك اليومي والسنوي. داعيا لشمول هذه السياسة إلزام المشاريع الكبرى بتنفيذ استثمارات موازية في البنية التحتية المائية المحلية، كتعويض عن استهلاكها للمياه، أكان بتحسين الشبكات المحيطة أو بخفض الفاقد أو بتنفيذ مشاريع لحصاد المياه، بما يضمن تطبيق مبدأ عدم إحداث ضرر بالموارد المائية المحلية.
وأكد أهمية تعزيز الشراكات الدولية والتعاون مع الجهات المانحة لتقديم الدعم الفني والمالي لتطوير حوكمة القطاع، وتحسين أداء شركات المياه، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية الحيوية التي تسهم بتعزيز أمن الأردن المائي على المدى الطويل.
إدارة الإفلاس المائي
الخبيرة ميسون الزعبي، أكدت أن الدول التي تعاني من ندرة المياه، تتجه على نحو متزايد من مجرد إدارة الإمدادات إلى تبني سياسات متكاملة، تقوم على التكنولوجيا والشراكات متعددة القطاعات لحماية أمنها المائي وضمان استدامة مواردها، مضيفة أن هذه الدول، بخاصة التي تواجه قيودا اقتصادية شديدة، باتت مطالبة بالتحول من إدارة المياه التقليدية إلى إستراتيجية ما يعرف بإدارة الإفلاس المائي.
وأضافت الزعبي، أن هذا المفهوم يقوم على التخلي التدريجي عن الاعتماد على الموارد الطبيعية المتضائلة، مقابل تبني نهج شامل قائم على التكنولوجيا والتنظيم الدقيق، لتعظيم الاستفادة من المصادر البديلة وضمان أعلى درجات الكفاءة باستخدام المياه. مؤكدة أن دولا عديدة تعاني من شح المياه تبنت أيضا نهج الاستهلاك الصافي الصفري للمياه، وهو مفهوم يقوم على إعادة استخدام المياه نفسها عدة مرات، واعتماد تقنيات متقدمة قادرة على التكيف مع تغير المناخ، وبناء شراكات مبتكرة لمعالجة مشكلة ندرة المياه المتفاقمة.
وأوضحت الزعبي، أن الأردن يحتاج إلى تحولات إستراتيجية جذرية لمعالجة الندرة المائية الحادة التي يعاني منها، مشيرة إلى أن أبرز هذه التحولات يتمثل بالانتقال من الإدارة القطاعية المجزأة إلى نهج موحد يدير المياه السطحية والمياه الجوفية والمصادر البديلة كمياه الصرف الصحي والتحلية ضمن نظام متكامل واحد.
وبينت أن من بين التحولات الضرورية أيضا؛ إعادة تخصيص حقوق المياه، بحيث تتوافق مع القدرة الاستيعابية الفعلية المتناقصة للنظم البيئية، بدلا من الاعتماد على أنماط الاستخدام التاريخية، والاستثمار في أنظمة الرصد المتقدمة لإدارة الموارد المائية، استنادا إلى بيانات لحظية حول مستويات المياه الجوفية وجودتها.
كما أكدت الزعبي أهمية إنشاء لجان لإدارة المياه بقيادة المجتمع المحلي، تتولى إدارة نقاط المياه على محليا، بما يعزز الاستدامة ويبني الثقة بين المجتمعات والجهات المسؤولة عن إدارة الموارد المائية. وبشأن القطاع الزراعي، قالت إنه أكبر مستهلك للمياه في الأردن، ما يجعل التحول من مفهوم نقل المياه إلى مفهوم استغلال كل قطرة أمرا بالغ الأهمية.
وأضافت، أن الزراعة تستهلك غالبا أكثر من 51 % من المياه العذبة، وترتفع هذه النسبة إلى نحو 70 % عند احتساب الآبار غير المرخصة والاستخدام غير المصرح به للمياه الجوفية. موضحة بأن هذا التحول يتطلب إعطاء الأولوية لتقنيات الري بالتنقيط والزراعة المائية والري المحدود، بدلا من الري بالغمر، والتوسع بزراعة المحاصيل المقاومة للجفاف التي تحتاج لكميات أقل من المياه بدلا من المحاصيل النقدية كثيفة الاستهلاك للمياه.
وتابعت أن مشاريع إعادة تدوير مياه الصرف الصحي ضرورية لخلق مصادر مياه جديدة، سواء عبر معالجتها لاستخدامها في الري أو بإعادة استخدامها في القطاعات الصناعية. مؤكدة أن إعادة التقييم الاقتصادي لقطاع المياه، خطوة أساسية ضمن التحولات المطلوبة، مشيرة إلى أن إصلاح سياسات تسعير المياه وحقوق استخراجها، أداة مهمة لتحفيز ترشيد الاستهلاك.
ولفتت إلى أن دولا كالسعودية، بدأت دراسة أنظمة تسعير تعكس التكلفة الحقيقية لإنتاج المياه التي تحظى حاليا بدعم حكومي كبير، مضيفة أن هذه السياسات، تتضمن تطبيق تعرفة متدرجة للمياه بحسب حجم الاستهلاك، ومكافأة جهود الترشيد وضمان استرداد الكلفة الكاملة لإمدادات المياه الحضرية، ما يسهم بالحد من الهدر.
وبينت الزعبي أن الإجراءات الممكنة تشمل أيضا تقديم دعم مالي لتقنيات توفير المياه كأنظمة حصاد مياه الأمطار من الأسطح، وإعادة استخدام المياه الرمادية وأنظمة الري بالتنقيط، وفرض ضرائب على الاستخدام المفرط للمياه. مؤكدة أهمية حماية مستجمعات المياه الطبيعية وترميم وحماية الأراضي الرطبة والغابات التي تعمل كمرشحات طبيعية للمياه ومناطق لتخزينها.
وأشارت إلى أهمية الاستخدام المتكامل للمياه الجوفية عبر التعامل معها كاحتياطي إستراتيجي، يستخدم خلال فترات الجفاف ويعاد تغذيته أثناء الهطل المطري بدلا من الاعتماد عليه كمصدر رئيس للمياه. مضيفة أن السياسات الحديثة بإدارة المياه، باتت تعطي الأولوية لإدارة الطلب وإعادة تدوير الموارد، بدلا من الاعتماد على مشاريع البنية التحتية التقليدية كثيفة الكلفة.
وأوضحت الزعبي أن هذا النهج يقوم على تطبيق إدارة متكاملة ومتطورة لموارد المياه، تعتمد على البيانات وتدمج بين المياه السطحية والجوفية والمصادر البديلة، والاستفادة من أدوات تحليل مخاطر المناخ. مشيرة لضرورة إعادة التوزيع الجغرافي للزراعة بحيث تجري مواءمة النشاط الزراعي مع الموارد المائية المتاحة، كإنشاء مناطق زراعية مخصصة قرب محطات التحلية أو السدود، وتقييد زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في المناطق القاحلة.
وأضافت أن السياسات الحديثة، تتضمن تنظيم العلاقة بين المياه والطاقة والغذاء، عبر تطبيق سياسات تربط تسعير الطاقة باستخراج المياه، كفرض رسوم على الكهرباء المستخدمة بضخ المياه الجوفية للحد من استنزاف الطبقات الجوفية. مؤكدة أن التحول نحو الرصد والانفاذ الرقمي؛ أحد الاتجاهات الحديثة بإدارة المياه، عبر استخدام الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وبيانات الأقمار الصناعية لرصد مستويات المياه، والكشف عن التسربات والتحول إلى إدارة قائمة على الأداء.
وتابعت أن دولا اتجهت لتبني نماذج حوكمة موحدة ودبلوماسية مائية، بإنشاء مفوضين خاصين أو وزارات مخصصة للمياه لتبسيط صنع القرار. وعلى المستوى الدولي، تستخدم دبلوماسية المياه لإضفاء الطابع الرسمي على الاتفاقيات العابرة للحدود، كاتفاقية خزان سيق الديسي الجوفي بين الأردن والسعودية.
وأوضحت الزعبي أن الإدارة المتكاملة للمستجمعات المائية، تمثل إطارا شاملا ينسق السياسات بين قطاعات الزراعة والطاقة والبيئة لإدارة العلاقة المتبادلة بين استخدام المياه وصحة النظم البيئية. مضيفا أن التقنيات والممارسات المبتكرة تمثل عنصرا أساسيا في مواجهة ندرة المياه، مشيرة لأهمية تقنيات المياه الذكية بنشر أجهزة استشعار إنترنت الأشياء والعدادات الذكية، للكشف عن التسربات في الوقت الحقيقي وتقليل فاقد المياه.
وأضافت أن الحلول المستوحاة من الطبيعة، تعد من الأدوات المهمة أيضا، كاستعادة الأراضي الرطبة وتنفيذ بنية تحتية حضرية زرقاء خضراء، تعمل على ترشيح المياه بشكل طبيعي، وتعزيز تغذية المياه الجوفية. مشيرة إلى أهمية ربط محطات تحلية المياه بالطاقة الشمسية الحرارية أو الكهروضوئية لتقليل كلفة الطاقة المرتفعة والبصمة الكربونية لإنتاج المياه العذبة، لافتة إلى أن ابتكارات حديثة تشمل تقنيات حصاد المياه من الهواء باستخدام مواد جديدة كالأطر المعدنية العضوية، القادرة على استخراج المياه من الهواء حتى في البيئات منخفضة الرطوبة.
ونوهت الزعبي، بدور تطبيق الزراعة الذكية والري بالتنقيط، المعتمد على أجهزة استشعار رطوبة التربة وتقنيات الإنترنت، في تقليل استخدام المياه الزراعية بنسبة قد تصل إلى 70 %. مبينة أن تقنيات استخلاص المحلول الملحي الناتج عن تحلية المياه وتحويله لمعادن ومواد صناعية قيمة، يحول مشكلة التلوث إلى مورد اقتصادي.
وأكدت أهمية الشراكات الإستراتيجية باعتبارها تمثل ركنا أساسيا بمعالجة تحديات المياه، موضحة بأن التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، ضروري لتوسيع نطاق الابتكار وتنفيذ المشاريع الكبرى.
وقالت إن الشراكات بين القطاعين العام والخاص، تستخدم بتنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى كـ”الناقل الوطني”، موضحة أهمية شراكات الاقتصاد الدائري مع القطاعات الصناعية لمعالجة مياه الصرف الصحي، واستعادة المغذيات بما يسمح بإعادة استخدام الحمأة المعالجة كسماد.
وأضافت الزعبي إن الشراكات الجديدة وآليات التمويل، عنصر محوري بدعم التحول المائي، مشيرة إلى أجندة التحول العالمي للاستثمار في المياه التي تقودها الشراكة العالمية للمياه بين 2026 و2030، والساعية لبناء مشاريع جاهزة للاستثمار وتفعيل الشراكات بين القطاعين، موضحة بأن نموذج المياه تدفع مقابل المياه في الشراكات بينهما، يركز على تطوير مشاريع مهيكلة وقابلة للتمويل في التحلية والمعالجة والتوزيع، مع ضمان تقاسم المخاطر بتوازن بين الشركاء.
وأكدت أن أهمية دور التحالفات الدولية يلعب دورا مهما، كتحالف التعاون في مجال المياه العابرة للحدود الذي أطلق العام 2022 ويضم شركاء متعددين، بينهم البنك الدولي و”اليونسكو”، ويهدف لتعزيز التعاون في إدارة طبقات المياه الجوفية المشتركة وأحواض الأنهار. مشيرة إلى برنامج شركاء المياه للفترة 2022- 2027، الذي تقوده هولندا ويتعاون مع دول مثل بنغلاديش ومصر، لإيجاد حلول قائمة على الطبيعة لقضايا المياه والتنوع الحيوي والغذاء.
وجددت تأكيدها على أن الدول النامية تحتاج إلى دعم دولي مواز لهذه التحولات، مثل مبادرات مقايضة الديون بالطبيعة التي تقوم على الاستثمار في مرونة الموارد المائية بدلا من سداد الديون.
وأضافت أن مؤتمر الأمم المتحدة للمياه المقرر عقده العام 2026 في الإمارات، يتوقع بأن يشكل محطة مهمة في مواءمة السياسات المائية الجديدة مع مصادر التمويل العالمية.
الأردن مقبل على مرحلة جديدة
وانسجاما مع الحاجة إلى تحولات إستراتيجية تعزز الأمن المائي، أكد الخبير د. إلياس سلامة، أن الحديث عن السياسات والشراكات والإستراتيجيات المائية التي يحتاجها الأردن مستقبلا، يرتبط بطبيعة التطور الاجتماعي والاقتصادي للمملكة خلال العقود المقبلة، مشيرا إلى أن الأردن مقبل على مرحلة جديدة من التطور الصناعي والاقتصادي، تتطلب كميات أكبر بكثير من المياه.
وقال سلامة إن الأردن يتجه نحو ما يمكن وصفه بمرحلة ثورة صناعية جديدة تشمل التوسع بالصناعات الكبرى كاستخراج النفط من الصخر الزيتي، وتطوير صناعات الفوسفات والبوتاس والمعادن الأخرى، وهي قطاعات صناعية تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه. مضيفا أن هذا التوسع الصناعي، إلى جانب النمو السكاني، وارتفاع مستويات المعيشة، سيؤدي لزيادة كبيرة في الطلب على المياه في السنوات المقبلة.
وشدد على أن احتياجات الفرد من المياه، شهدت ارتفاعا واضحا مع مرور الوقت، نتيجة تحسن مستويات الحياة وتغير أنماط الاستهلاك، متابعا بأن حصة الفرد كانت في الماضي تقارب 20 لترا/ اليوم، بينما أصبحت اليوم بحدود 70 لترا، وهي كمية لم تعد كافية، ومشيرا إلى أن الحاجة الفعلية للفرد تقدر بنحو 100 لتر/ اليوم على الأقل، في حين أن الكميات المتوافرة حاليا لا تتجاوز الـ70 لترا/ اليوم.
وأضاف سلامة أن التوقعات تشير إلى أن احتياجات الفرد من المياه مستقبلا، قد ترتفع بين 120 و130 لترا/ اليوم، ما يعني أن الطلب على المياه سيزداد بشكل كبير في العقود المقبلة، لافتا إلى أن هذه الكميات الكبيرة لا يمكن تأمينها من الأردن، في ظل استنزاف معظم المصادر المائية السطحية والجوفية فيه، مشيرا إلى أن المخزون الجوفي العميق القديم يتعرض حاليا للاستنزاف المستمر، ما يعني أن الاعتماد عليه كمصدر رئيس للمياه لن يكون خيارا مستداما على المدى الطويل.
وأوضح أن الاعتماد على الدول المجاورة لتزويد الأردن بكميات كبيرة من المياه ليس خيارا واقعيا، بخاصة أن الطموحات التنموية تفوق بكثير ما يمكن أن توفره المصادر المحلية، أو ما يمكن الحصول عليه من الخارج. مؤكدا أن الخيار الإستراتيجي المتبقي أمام الأردن يتمثل بتحلية مياه البحر، وتحديدا عبر مشاريع التحلية بمدينة العقبة، مضيفا أن مشروع التحلية الجاري التخطيط له حاليا، والذي يستهدف تحلية نحو 300 مليون م3 سنويا، خطوة مهمة، لكنه لا يغطي الاحتياجات المتزايدة.
وأضاف أن الحاجة الحالية من المياه تقدر بـ400 مليون م3 سنويا، ما يعني أن الكميات المخطط لتحليتها في المشروع الحالي، تبقى أقل من حجم الطلب الفعلي، مؤكدا أن المرحلة المقبلة تتطلب تبني إستراتيجية وطنية شاملة، تقوم على التوسع الكبير بمشاريع تحلية المياه في العقبة، باعتبارها الحل الجذري والواقعي لمشكلة المياه في الأردن على المديين القريب والبعيد.
وأشار سلامة إلى أن تبني إستراتيجية قائمة على تحلية المياه بكميات كافية، سيمكن من تجاوز التحديات المائية الحالية والمستقبلية، كما سيساعد على دعم خطط التنمية الاقتصادية وتطوير الصناعات الوطنية بشكل أفضل.
وأضاف، أن توافر كميات كافية من المياه سيسهم بتطوير الصناعات التحويلية التي تحتاج لكميات أكبر من المياه، مقارنة بالصناعات الاستخراجية التقليدية، مبينا أن السياسات الاقتصادية الحالية ركزت لفترة طويلة على استخراج المواد الخام كالفوسفات والمعادن وبيعها بصورتها الأولية، في حين أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجه نحو تحويل هذه الموارد الطبيعية لمنتجات صناعية ذات قيمة مضافة قابلة للاستخدام المباشر.
المصدر : صحيفة الغد – ايمان الفارس



