بيانات ضخمةمقالات

الهناندة يكتب :ماذا لو صمت العالم؟ حين ينقطع الإنترنت… هل نصمد أم ننهار؟

رقمنة 

*  الأستاذ الدكتور فراس الهناندة 

في عالم اعتاد أن يستيقظ على إشعارات لا تنتهي، وأن ينام على ضوء الشاشات، يبدو سؤال كهذا أقرب إلى الخيال: ماذا لو انقطع الإنترنت فجأة؟ فالمسألة هنا ليست مجرد انقطاع خدمة أو تعطّل تطبيق، بل نحن أمام سيناريو يختبر جوهر الحضارة الحديثة، ويطرح تساؤلًا عميقًا: هل بنينا عالمًا ذكيًا أم هشًّا؟

اليوم، أصبح الإنترنت بمثابة “النظام العصبي” للحياة المعاصرة، إذ تعتمد المصارف عليه لإتمام مئات الملايين من المعاملات يوميًا، وتُدير المستشفيات بيانات المرضى من خلاله، بينما تبني الجامعات عليه منصاتها التعليمية، وحتى أبسط تفاصيل حياتنا اليومية—من شراء الخبز إلى إدارة الأعمال—مرتبطة به ارتباطًا عضويًا. وفي الأردن، تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 85% من المؤسسات التعليمية تعتمد على المنصات الرقمية في إدارة العملية التعليمية، ما يجعل أي انقطاع فجائي تحديًا حقيقيًا لا يمكن تجاهله.

فلنتخيل للحظة أن تتوقف الشبكات، وتختفي السُحب الرقمية، وتُغلق الخوادم، ويستيقظ العالم على صمت غير مألوف. حينها لن يكون السؤال كيف نعود إلى الإنترنت، بل: هل نستطيع أن نعمل بدونه؟ وهنا يظهر أخطر ما كشفته الثورة الرقمية، وهو اعتمادنا المطلق على التكنولوجيا. لقد انتقلنا، دون أن نشعر، من استخدامها كأداة مساندة إلى بناء أنظمة كاملة لا يمكن أن تعمل بدونها، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل نحن من نملك التكنولوجيا أم أنها باتت تملكنا؟

وفي قطاع التعليم، قد يبدو الانقطاع كارثيًا من الظاهر، لكنه يحمل في جوهره فرصة لإعادة التفكير. فالتعليم الحقيقي، القائم على التحليل والتفكير والحوار، لا يمكن أن ينقطع، حتى لو تعطلت المنصات الرقمية، لأن جوهر التعلم يظل قائمًا على العقل، لا على الوسيط. ومن هنا، تصبح الجامعات مطالبة ببناء ما يمكن تسميته بـ”المرونة الرقمية”، أي القدرة على العمل في بيئات متصلة وغير متصلة على حد سواء. وبذلك يصبح اعتماد نماذج هجينة للتعليم ضرورة استراتيجية، بحيث تعزز التفكير النقدي، ومهارات حل المشكلات، والقدرة على التكيف، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الاتصال الرقمي.

ومن الناحية التقنية، فإن احتمالات الانقطاع الواقعي موجودة بالفعل. فالهجمات السيبرانية المتقدمة قد تستهدف البنية التحتية، كما أن الكابلات البحرية التي تنقل معظم حركة البيانات العالمية تمثل نقاط ضعف حساسة، بالإضافة إلى أن التوترات الجيوسياسية يمكن أن تُستخدم لتعطيل الشبكات. وتجربة بعض الدول، مثل تعطل أنظمة البنوك في أوروبا خلال أعطال كبرى، أظهرت مدى هشاشة الأنظمة الرقمية المترابطة، ومدى تأثيرها الشامل على الحياة اليومية والاقتصاد.

وعلى مستوى القيادة، يفرض هذا السيناريو تحولًا في عقلية صانع القرار، إذ لم يعد المطلوب منه إدارة الحاضر فحسب، بل استشراف سيناريوهات الانقطاع ووضع خطط استباقية تضمن استمرارية العمل في أصعب الظروف. وفي هذا السياق، تتضح حقيقة أن القيادة في العصر الرقمي لا تُقاس فقط بمدى التقدم التكنولوجي، بل بمدى الجاهزية للتعامل مع غيابه، والقدرة على توجيه المؤسسات نحو المرونة والاستدامة.

وفي الأردن، حيث نسير بخطى واثقة نحو التحول الرقمي، يجب أن يكون هذا السؤال حاضرًا في صميم التخطيط الاستراتيجي: كيف نبني منظومات رقمية قوية دون أن نجعلها نقطة ضعفنا الوحيدة؟ فالتاريخ يعلمنا أن ما لا نتوقعه قد يحدث في أي لحظة، وأن الأزمات الكبرى تختبرنا دائمًا على حين غفلة، لتكشف هشاشتنا أو قوتنا الحقيقية.

وفي نهاية المطاف، ربما يكون أخطر سيناريو ليس انقطاع الإنترنت نفسه، بل انقطاع قدرتنا على التفكير بدونه. فالمستقبل لا يُبنى على سرعة الاتصال وحدها، بل على عمق الوعي، وعلى القدرة على التكيّف مع اللا يقين. والمؤسسات التي تطرح اليوم هذا السؤال، وتستعد للتعامل مع الانقطاع، هي الأكثر قدرة على الصمود غدًا، لأنها تبني قوة حقيقية قائمة على المرونة، والتفكير المستقل، والاستعداد لأي طارئ. وعندما تختفي الشبكة، سيبقى الصوت الأقوى: صوت العقل الذي لم يتوقف عن التفكير.

* رئيس جامعة عجلون الوطنية، ومدير مركز الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في اتحاد الجامعات العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى