ريادة الاعمالمقالات

المهندس خالد العلاونة يكتب “لرقمنة” : مفهوم الابتكار الحكومي: التعريف، الأنواع، وسوء الفهم الشائع   (2)

رقمنة

ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة الثانية منها.

 . المهندس خالد علاونة

في المقال الأول من هذه السلسلة، كان الحديث عن الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الدولة الذكية حديثًا عن تغيير في النظرة قبل أن يكون تغييرًا في الأدوات ، كان التركيز هناك على أن الابتكار لا يبدأ من المنصات ولا ينتهي عند التطبيقات، بل من طريقة تفكير الدولة في دورها وعلاقتها بالمواطن. هذا المقال يأتي امتدادًا طبيعيًا لذلك النقاش، ويتوقف عند سؤال يبدو بسيطًا لكنه أساسي: ماذا نعني فعلًا بالابتكار الحكومي؟

كثيرًا ما نسمع هذا المصطلح يتكرر في الخطاب الرسمي والإعلامي، وأحيانًا يُستخدم لوصف أي خطوة جديدة مهما كانت محدودة. إطلاق موقع إلكتروني جديد، أو تحويل معاملة ورقية إلى نموذج إلكتروني، أو تغيير مسمى دائرة حكومية، كلها تُقدَّم أحيانًا على أنها ابتكار. لكن التجربة اليومية للمواطن تكشف سريعًا أن الجديد في الشكل لا يعني دائمًا جديدًا في الجوهر.

في معناه الحقيقي، الابتكار الحكومي هو البحث عن طريقة أفضل للقيام بالدور العام. أحيانًا يكون ذلك عبر فكرة جديدة، وأحيانًا أخرى عبر إعادة النظر في ممارسة قديمة اعتدنا عليها دون أن نسأل إن كانت ما تزال منطقية. فحين تُراجع جهة حكومية إجراءً طويلًا، وتكتشف أن بعض خطواته لا ضرورة لها، ثم تختصره من عشر مراحل إلى ثلاث، فهذا ابتكار، حتى لو لم يتضمن أي تقنية متقدمة.

وقد يتجلى الابتكار في أبسط التفاصيل. حين تقرر مؤسسة حكومية، مثلًا، تغيير طريقة استقبال المراجعين، فتنتقل من منطق الشباك المغلق إلى موظف يوجّه الناس ويساعدهم منذ لحظة الدخول، فإنها تكون قد غيّرت تجربة كاملة دون أن تغيّر نظامًا أو تُطلق تطبيقًا. هذا النوع من الابتكار غالبًا لا يُحتفى به إعلاميًا، لكنه يُحسّ يوميًا من قبل الناس.

وعندما ننظر إلى الابتكار من زوايا مختلفة، نكتشف أنه لا يسكن مكانًا واحدًا. فهو قد يظهر في خدمة تُعاد صياغتها لتناسب كبار السن أو ذوي الإعاقة، وقد يظهر في سياسة عامة تُختبر على نطاق ضيق قبل تعميمها، بدل أن تُفرض دفعة واحدة. بعض الحكومات، مثلًا، بدأت بتجربة سياسات مرورية أو تعليمية في مدن محددة، تتعلّم من النتائج، ثم تعدّل قبل التوسع، بدل الالتزام بنموذج واحد يفترض صلاحيته للجميع.

في المقابل، يظهر سوء الفهم الشائع حين يُختزل الابتكار في الرقمنة فقط. فكم من خدمة حكومية أصبحت “إلكترونية”، لكنها ما تزال تتطلب من المواطن إدخال البيانات نفسها مرات عدة، أو التنقل بين منصات مختلفة، أو طباعة مستند رقمي لإعادة تحميله بصيغة أخرى. في هذه الحالة، انتقلت البيروقراطية من الورق إلى الشاشة، لكن العبء بقي كما هو، وربما ازداد.

الأمر لا يختلف كثيرًا في حالات ما يمكن تسميته بالتجميل الإداري. حين تُطلق مبادرات تحمل أسماء جذابة، أو تُستنسخ تجارب دول أخرى دون فهم سياقها المحلي، أو يُعاد ترتيب الهيكل التنظيمي دون تغيير حقيقي في طريقة العمل، فإن ما يحدث هو تغيير في الصورة لا في المضمون. المواطن يشعر بذلك سريعًا، لأنه لا يرى فرقًا في تجربته اليومية، مهما اختلفت الشعارات.

الابتكار الحقيقي غالبًا لا يبدأ بمشروع كبير، بل بسؤال صغير يُطرح داخل المؤسسة: لماذا نقوم بهذا الإجراء بهذه الطريقة؟ هل ما زال يخدم الغاية التي وُضع من أجلها؟ هذه الأسئلة قد تبدو عادية، لكنها تفتح الباب لتغييرات عميقة. كثير من التحسينات التي يشعر بها الناس اليوم بدأت بهذه الطريقة، لا بخطة ضخمة ولا بميزانية كبيرة.

ومن المهم هنا التمييز بين الابتكار والمغامرة. الابتكار الحكومي لا يعني القفز خارج القانون، ولا تجاهل متطلبات الاستقرار، بل العمل بمرونة داخل الأطر القائمة. هو استخدام ذكي للمساحة المتاحة، وتوازن بين التجربة والحذر، وبين الحاجة للتجديد ومسؤولية الحفاظ على الثقة العامة.

بهذا المعنى، يصبح الابتكار الحكومي ممارسة يومية أكثر منه مفهومًا نظريًا. يصبح طريقة تفكير، وسلوكًا مؤسسيًا، ومسارًا طويلًا من التعلم والتحسين. وهو بذلك يكمّل ما بدأناه في المقال الأول، ويضع الأساس لفهم أعمق لدوافع الابتكار التي سنتناولها في المقال القادم: لماذا أصبح هذا التحول ضرورة لا يمكن تأجيلها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى