التحول الرقمي الحكوميمقالات

المهندس خالد العلاونة يكتب لرقمنة : التحول الرقمي ليس ابتكارًا… إلا إذا (8)

رقمنة

ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة الثامنة منها .

المهندس خالد العلاونة

في المقال السابق تحدثنا عن إعادة تصميم الخدمات الحكومية، وكيف يبدأ التغيير الحقيقي من فهم رحلة المواطن، لا من تحديث الأنظمة. واليوم نقترب من نقطة كثيرًا ما يحدث فيها الخلط:
هل كل تحول رقمي يُعد ابتكارًا؟
الإجابة ببساطة: ليس دائمًا.
الرقمنة قد تكون خطوة مهمة، لكنها ليست ابتكارًا بحد ذاتها. نقل نموذج ورقي إلى شاشة، أو تحويل معاملة إلى منصة إلكترونية، لا يعني تلقائيًا أن الخدمة أصبحت أفضل. أحيانًا يكون ما حدث هو مجرد نقل البيروقراطية من المكتب إلى الهاتف.
كثير من المواطنين جرّبوا خدمات إلكترونية تطلب منهم إدخال البيانات نفسها أكثر من مرة، أو تحميل مستندات موجودة أصلًا لدى جهة حكومية أخرى، أو التنقل بين عدة منصات لإكمال معاملة واحدة. في هذه الحالات، التقنية موجودة، لكن التجربة لم تتحسن.
الابتكار لا يُقاس بوجود منصة، بل بتحسن التجربة.
التحول الرقمي يصبح ابتكارًا حين يغيّر المسار لا الوسيط فقط.
حين يختصر الخطوات بدل إعادة ترتيبها إلكترونيًا.
وحين يربط الجهات داخليًا بدل أن يطلب من المواطن التنقل بينها رقميًا.
خذ مثالًا بسيطًا:
إذا كان المواطن سابقًا يراجع ثلاث دوائر للحصول على موافقات، وأصبح اليوم يدخل ثلاث منصات مختلفة للحصول على الموافقات نفسها، فالمشكلة لم تُحل. الوسيلة تغيرت، لكن العبء بقي كما هو.
أما إذا أُعيد تصميم المسار بحيث تُجمع الموافقات داخليًا، ويقدّم المواطن طلبًا واحدًا فقط، ويتابع تقدمه من خلال نافذة موحدة واضحة، هنا يمكن القول إن التحول الرقمي أصبح ابتكارًا حقيقيًا.
وفي بعض التجارب الإيجابية، تم الانتقال خطوة أبعد:
فبدل أن يُطلب من المواطن تجديد خدمة معينة كل فترة، أصبحت بعض الخدمات تُجدد تلقائيًا ما لم يطرأ تغيير على البيانات. هنا لم يتم تحسين الخدمة فقط، بل تم تقليل الحاجة إليها أصلًا، وهو أحد أعمق أشكال الابتكار.

الفرق بين الرقمنة والابتكار هو الفرق بين “أتمتة التعقيد” و“إزالة التعقيد”.

من المهم إدراك أن التقنية أداة لا غاية. إن لم تُصاحبها رؤية واضحة، وتبسيط للإجراءات، وتدريب للموظفين، فقد تتحول إلى عبء جديد يربك الموظف والمواطن معًا.
التحول الرقمي الحقيقي يبدأ من سؤال بسيط: هل أصبحت حياة المواطن أسهل بعد هذه المنصة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهو ابتكار.
وإذا كانت الإجابة: أصبحت الإجراءات نفسها لكن على شاشة، فنحن أمام تحديث شكلي لا أكثر.
فلنتكلم بصراحة اكبر، أي جهة حكومية لا تسأل هذا السؤال بصدق، فهي تخاطر برقمنة الإحباط بدل حلّه.
في المقال القادم، سننتقل إلى جانب مكمل لهذا الطرح، ونتحدث عن دور القيادة في بناء ثقافة الابتكار داخل المؤسسات الحكومية .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى