
رقمنة
ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة السابعة منها .
المهندس خالد العلاونة
في المقال السابق تحدثنا عن التحول من الخدمة الموحدة إلى الخدمة المتمحورة حول المواطن، وطرحنا سؤالًا بسيطًا: لمن نصمم الخدمة؟ للهيكل التنظيمي في المؤسسة أم للمواطن؟
اليوم ننتقل خطوة أبعد. إذا اتفقنا أن الخدمة يجب أن تُبنى حول احتياج المواطن، فكيف نترجم ذلك عمليًا؟ كيف ننتقل من فكرة جميلة إلى تغيير ملموس على أرض الواقع؟
هنا يظهر مفهوم إعادة تصميم الخدمات الحكومية أو ما يُعرف بـ Service Design. وهو ببساطة إعادة النظر في الخدمة كما يعيشها المواطن، خطوة بخطوة، ثم إعادة ترتيبها لتصبح أوضح وأسهل وأقل كلفة.
الأمر لا يبدأ من تعديل النظام الإلكتروني، ولا من تغيير اسم الدائرة، بل من سؤال بسيط جدًا:
كيف تبدأ رحلة المواطن؟ ومتى تنتهي؟ وما الذي يشعر به في كل مرحلة؟
لنأخذ مثالًا قريبًا من حياة الناس: إصدار رخصة بناء.
في النموذج التقليدي، قد يضطر المواطن إلى مراجعة أكثر من جهة، وتقديم مخططات لعدة أقسام، وانتظار توقيع هنا وختم هناك، دون وضوح كامل للخطوات أو المدة المتوقعة. وتعرض المواطن الى مزاجات الموظفين او ابتزازات كشكل من أشكال الفساد. كل جهة تنفّذ جزءًا من اختصاصها، لكن المواطن يعيش التجربة كمسار طويل غير مترابط.
أما في إعادة التصميم، فيبدأ التفكير من زاوية صاحب الطلب:
هل يعرف مسبقًا جميع المتطلبات؟
هل هناك قائمة واضحة ومعلنة؟
هل يمكن تجميع الموافقات في مسار واحد؟
هل توجد نقطة متابعة تُمكّنه من معرفة أين وصلت معاملته؟
قد يكون التغيير في إنشاء نافذة موحدة، أو تحديد زمن إنجاز معلن، أو تنسيق الموافقات داخليًا بدل أن يحمل المواطن ملفه من مكتب إلى آخر ومن مركز الامانة او البلدية الى مديرية المنطقة المزمع اقامة البناء فيها والتي يمكن ان تبعد عشرات الكيلومترات. النتيجة ليست فقط تقليل الوقت، بل تقليل القلق والإرباك.
مثال آخر: تحديث بيانات أسرة للاستفادة من دعم اجتماعي.
بدل أن يُطلب من المواطن مراجعة أكثر من جهة لإثبات دخل أو عدد أفراد الأسرة، يمكن إعادة تصميم الخدمة بحيث يتم الربط بين قواعد البيانات داخليًا، ويُطلب من المواطن فقط تأكيد المعلومات أو تحديثها. هنا تتحول الدولة من جهة تجمع أوراقًا إلى جهة تدير معلومات بذكاء لخدمة الناس.
إعادة تصميم الخدمات تقوم على مبدأ واضح:
المواطن يرى الخدمة كرحلة واحدة، حتى لو كانت داخل المؤسسة عشر إدارات.
فلماذا لا نعيد ترتيب هذه الإدارات لتبدو للمواطن مسارًا واحدًا واضحًا؟
ومن أهم عناصر هذا النهج إشراك من يعيش التجربة فعليًا.
الموظفون في الخط الأمامي يعرفون أين تتعطل المعاملات، والمراجعون يعرفون أين يشعرون بالإرباك. الاستماع إليهم ليس تفصيلًا، بل نقطة البداية.
كما أن إعادة التصميم لا تعني دائمًا رقمنة كاملة. أحيانًا يكون الحل في تبسيط نموذج طلب، أو إزالة خطوة غير ضرورية، أو تحديد زمن واضح لكل خدمة ونشر نسبة الالتزام به. النجاح هنا يُقاس بتجربة المواطن، لا بعدد الإجراءات الداخلية.
فإعادة تصميم الخدمات الحكومية ليست مشروعًا تقنيًا، بل تغيير في زاوية النظر. هي انتقال من سؤال “كيف ننفذ اجراءاتنا؟” إلى سؤال “كيف نسهّل حياة الناس؟”.
وحين يصبح هذا السؤال حاضرًا في كل خدمة، يتحول الابتكار من مبادرة مؤقتة إلى ثقافة عمل مستمرة.
في المقال القادم، سنناقش جانبًا مكملًا لهذا الطرح: متى يكون التحول الرقمي ابتكارًا حقيقيًا، ومتى يكون مجرد نقل للبيروقراطية من الورق إلى الشاشة؟




