ريادة الاعمالمقالات

المهندس خالد العلاونة يكتب “لرقمنة” :دوافع الابتكار في الحكومات الحديثة: لماذا لم يعد التأجيل ممكنًا (3)

رقمنة

ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة الثالثة منها.

 . المهندس خالد علاونة

في المقالين السابقين من هذه السلسلة، كان الحديث عن التحول من الإدارة التقليدية إلى الدولة الذكية، ثم عن معنى الابتكار الحكومي والتمييز بين جوهره الحقيقي والممارسات الشكلية التي قد تُقدَّم على أنها تطوير. ومع هذا التدرج، يصبح السؤال التالي منطقيًا: ما الذي يدفع الحكومات اليوم إلى الابتكار؟ ولماذا لم يعد بالإمكان الاكتفاء بتأجيل هذا المسار؟
أحد أبرز الدوافع هو أن المواطن نفسه لم يعد كما كان ، المواطن اليوم أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر حساسية تجاه الوقت والجهد ، حين يدخل إلى مؤسسة حكومية ويجد نفسه أمام إجراءات طويلة، فإنه لا يقارنها بالماضي، بل بما يعرفه من تجارب أخرى أبسط في حياته اليومية. لذلك، فإن أي تأخير غير مبرر، أو خطوة زائدة، تتحول فورًا إلى مصدر استياء، لا لأن الناس أقل صبرًا، بل لأنهم يعرفون أن البديل ممكن.
هذا التغيّر في التوقعات يضع الحكومات أمام واقع جديد. لم يعد كافيًا أن تكون الخدمة “متوفرة”، بل أصبح المطلوب أن تكون مفهومة وسلسة ، فتجربة بسيطة، مثل اضطرار المواطن لمراجعة أكثر من جهة لتحديث معلومة واحدة، تكشف سريعًا كيف يمكن لإجراء تقليدي أن يفقد معناه في زمن السرعة. هنا يأتي الابتكار كوسيلة لإعادة ترتيب العلاقة، لا لمجرد تسريعها.
الدافع الثاني يرتبط بطبيعة التحديات التي تواجهها الحكومات .. كثير من القضايا اليوم لا تُحل بقرار واحد أو تعميم إداري ، فعندما تحاول جهة ما تحسين السلامة المرورية، أو تخفيف الازدحام، أو رفع جودة التعليم، فإنها تصطدم بتشابك عوامل عديدة. بعض المدن، مثلًا، جرّبت حلولًا بسيطة كتغيير توقيت الإشارات أو إعادة توزيع خطوط السير قبل التفكير في مشاريع كبرى، وحققت أثرًا ملموسًا بتكلفة محدودة. هذا النوع من التفكير هو ابتكار في جوهره، لأنه ينطلق من التجربة والتعلّم لا من الافتراض.
ولا يمكن تجاهل عامل الموارد ، في ظل محدودية الميزانيات، تصبح الأسئلة أصعب: كيف نحافظ على مستوى الخدمة؟ كيف نلبي الطلب المتزايد؟ هنا يظهر الابتكار كخيار عملي، لا كشعار. إعادة تصميم إجراء، أو توحيد نافذة خدمة، أو تقليل التكرار بين الجهات، قد يوفر وقت الموظف والمراجع معًا، ويحقق أثرًا أكبر من زيادة الإنفاق دون مراجعة طريقة العمل.
كذلك، فإن الثقة بين الدولة والمواطن أصبحت عنصرًا حاسمًا. المواطن لا يبني ثقته من البيانات الرسمية، بل من تجربته الشخصية. عندما يشعر أن الدولة تحاول فهم معاناته اليومية، ولو عبر تغييرات بسيطة، تتغير نظرته بالكامل.. فمكتب استقبال يوجّه المراجعين، أو خدمة تُنجز من أول زيارة، قد تكون كافية لتغيير انطباع ظلّ سلبيًا لسنوات.
ومن داخل المؤسسات نفسها، هناك دافع لا يقل أهمية ،  كثير من الموظفين الحكوميين يدركون أن بعض الإجراءات لم تعد منطقية، وأن الوقت يُهدر في خطوات لا تضيف قيمة حقيقية. حين يُمنح هؤلاء مساحة للتفكير والمبادرة، تظهر أفكار عملية نابعة من الواقع، لا من تقارير بعيدة عن الميدان. وفي كثير من الأحيان، يكون الابتكار نتيجة إنصات جيد لمن هم في الخط الأمامي للخدمة.
لهذا كله، لم يعد الابتكار مسألة تحسين تدريجي يمكن تأجيلها إلى وقت لاحق ، التأجيل اليوم يعني اتساع الفجوة بين ما يعيشه الناس وما تقدمه الدولة، ويعني زيادة الكلفة لاحقًا، لا تقليلها ، وفي عالم يتغير بهذه السرعة، يصبح الجمود أحد أشكال المخاطرة، بينما يصبح الابتكار وسيلة عقلانية لإدارة هذا التغير.
بهذا الفهم، يمكن القول إن دوافع الابتكار في الحكومات الحديثة ليست نظرية ولا مستوردة، بل نابعة من واقع يومي يعيشه المواطن والموظف معًا. الابتكار هنا ليس ترفًا، بل استجابة طبيعية لضغوط حقيقية، وخطوة ضرورية للحفاظ على معنى الخدمة العامة ودورها.
في المقال القادم، سنقترب أكثر من الحياة اليومية، ونسأل سؤالًا مباشرًا: لماذا نحتاج إلى الابتكار؟ وكيف ينعكس غيابه أو حضوره على جودة الخدمات وعلى تجربة الناس مع الدولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى