
رقمنة
ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة الثانية عشرة منها
المهندس خالد العلاونة
في المقال السابق، تحدثنا عن دور القيادة في بناء ثقافة الابتكار داخل المؤسسات الحكومية، وكيف يمكن للبيئة الداعمة أن تُخرج أفضل ما لدى الموظفين من أفكار. لكن تبقى حلقة أساسية في هذه المعادلة: الموظف نفسه.
هل يقتصر دور الموظف الحكومي على تنفيذ التعليمات كما هي؟
أم يمكن أن يكون شريكًا حقيقيًا في تحسين العمل وتطويره؟
في كثير من الأحيان، يُفهم الالتزام الوظيفي على أنه التقيد الصارم بالإجراءات دون محاولة التفكير خارجها. وهذا الفهم، رغم أهميته في الحفاظ على النظام والانضباط، قد يتحول إلى عائق أمام التحسين إذا أصبح الهدف هو “تنفيذ الإجراء” لا “تحقيق الغاية من الإجراء”.
العقلية الابتكارية لا تعني تجاوز الأنظمة أو كسر القواعد، بل تعني فهمها بعمق، واستيعاب الغاية منها، ثم البحث عن طرق أكثر كفاءة ومرونة لتطبيقها بما يحقق مصلحة المواطن والمؤسسة في الوقت نفسه. وهذا يتقاطع مع مفهوم “التحسين المستمر”، الذي يقوم على مراجعة الإجراءات بشكل دائم بحثًا عن فرص التبسيط وتقليل الهدر في الوقت والجهد.
خذ مثالًا بسيطًا من الحياة اليومية في أي دائرة حكومية:
موظف يلاحظ أن المراجعين يكررون السؤال ذاته حول خطوة معينة في المعاملة. يمكنه أن يجيب كل مراجع على حدة، وهذا جزء من عمله. لكن يمكنه أيضًا أن يتوقف لحظة ليفكر: لماذا يتكرر هذا السؤال أصلًا؟
هنا تبدأ العقلية الابتكارية بالعمل.
قد يقترح وضع لوحة إرشادية واضحة، أو إعادة تصميم نموذج الطلب، أو تبسيط خطوات الخدمة، أو حتى التنسيق مع فريقه لتوضيح الإجراء بشكل استباقي. مثل هذا التحسين البسيط قد يقلل عدد الاستفسارات بشكل كبير، ويوفر وقتًا ثمينًا للموظف، ويختصر رحلة المراجع، ويرفع مستوى الرضا عن الخدمة.
الفرق هنا ليس في حجم الجهد المبذول، بل في زاوية النظر إلى العمل: هل أتعامل مع المشكلة كل مرة، أم أحاول إزالة سببها من الأساس؟
الموظف الذي يمتلك هذه العقلية لا ينتظر التغيير من الأعلى فقط، بل يساهم في صناعته من موقعه. لأنه الأقرب إلى تفاصيل العمل اليومية، والأقدر على ملاحظة نقاط الاحتكاك التي قد لا تظهر في التقارير الرسمية.
لكن من المهم أيضًا أن نكون واقعيين. لا يمكن مطالبة الموظف بالابتكار في بيئة لا تشجّع عليه، أو لا تعترف بجهده، أو تعاقب على المحاولة والخطأ. الابتكار ليس جهدًا فرديًا فقط، بل هو نتاج توازن دقيق بين ثلاثة عناصر:
موظف لديه وعي ورغبة في التحسين، وبيئة تسمح بالتجربة، وقيادة تدعم وتحتضن المبادرات.
ومن هنا يأتي دور بسيط لكنه بالغ الأثر: أن يرى الموظف نفسه جزءًا من الحل، لا مجرد منفذ للإجراء. وأن يطرح على نفسه بشكل مستمر أسئلة مثل:
هل يمكن إنجاز هذه الخدمة بطريقة أسهل؟
هل يمكن تقليل عدد الخطوات دون الإخلال بالجودة؟
هل يمكن توفير وقت أو جهد على المراجع؟
في كثير من الأحيان، لا تحتاج المؤسسات إلى حلول معقدة بقدر ما تحتاج إلى الانتباه للتفاصيل الصغيرة المتكررة. فإعادة ترتيب مسار خدمة، أو تعديل نموذج، أو توضيح إجراء، قد يختصر مئات الساعات من العمل سنويًا، ويُحدث أثرًا ملموسًا في تجربة المستفيدين.
وفي المقابل، فإن تجاهل هذه التفاصيل هو ما يُبقي التعقيد قائمًا، حتى في ظل توفر الأنظمة الحديثة والتقنيات المتقدمة.
وكنتيجة لما سبق، الابتكار في العمل الحكومي ليس مسؤولية جهة واحدة، ولا يرتبط بمنصب معين. هو منظومة متكاملة تبدأ من القيادة، وتمر بالأنظمة، وتُفعّل من خلال الموظف الذي يختار أن يرى عمله كمساحة للتحسين المستمر، لا مجرد مهام روتينية.
وعند هذه النقطة، لا يعود الابتكار فكرة تُطرح في الاجتماعات، بل يصبح جزءًا أصيلًا من طريقة عمل المؤسسة، ينعكس أثره بشكل مباشر على جودة الخدمات وحياة الناس.
وفي المقال القادم، سننتقل إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية، ونتحدث عن قياس أثر الابتكار: كيف نعرف أننا نحسّن فعلًا .




