
رقمنة
أظهر التقرير الأحدث لآفاق كبار الخبراء الاقتصاديين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، امس الثلاثاء، تحولاً إيجابياً ومفاجئاً نحو الاستقرار المالي العالمي، مسجلاً قفزة ملحوظة في مستويات التفاؤل بين كبار صناع السياسات والمحللين مقارنة بالأشهر الماضية، بالرغم من وطأة التوترات الجيوسياسية وضغوط تكاليف المعيشة التي لا تزال تلاحق الأسواق.
وبحسب مسح المنتدى لشهر ايلول 2026، فإن نحو 56% من كبار الاقتصاديين يتوقعون استقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية أو تحسنها خلال الأشهر الـ 12 المقبلة، وهو ارتفاع جوهري مقارنة بنسبة ضئيلة جداً بلغت 11% فقط في استطلاع مايو الماضي. وفي المقابل، تراجعت حدة التشاؤم بشكل ملموس، حيث يرى 45% فقط من الخبراء أن الاقتصاد قد يواجه ضعفاً مستقبلياً، انخفاضاً من نسبة كاسحة بلغت 89% قبل بضعة أشهر.
شبح الجيوسياسية وتقلص الدعم الحكومي
وفي الوقت الذي تتنفس فيه المؤشرات الصغرى الصعداء، لا يزال المشهد مهدداً بالأزمات الأمنية؛ إذ أجمع 97% من الخبراء المستطلعة آراؤهم على أن النزاعات والصراعات الجيوسياسية تظل المصدر الأبرز للاضطراب وعدم اليقين، والمهدد الأول لسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.
من جهة أخرى، دق التقرير ناقوس الخطر بشأن تراجع أدوات الدعم المالي الحكومي. ورغم تأكيد 69% من المشاركين أن “الدعم المالي المباشر” كان طوق النجاة لمرونة الاقتصاد العالمي وصموده منذ عام 2020، إلا أن 28% فقط يتوقعون استمرار هذا الزخم مستقبلاً، نظراً لارتفاع مستويات الدين العام وتقلص المساحة المالية المتاحة في ميزانيات الدول، مما يدفع الحكومات نحو سياسات تقشفية قسرية.
خريطة نمو متباينة.. وأزمة تكاليف المعيشة مستمرة
على الصعيد الإقليمي، أظهر التقرير تفاوتاً حاداً في الأداء؛ حيث تصدرت الهند ودول جنوب شرق آسيا قائمة المناطق الأقوى أداءً والأكثر تفاؤلاً، مدفوعة بنشاط استثماري محلي قوي. وفي حين يظهر الاقتصاد الأمريكي مؤشرات نمو معتدلة مع استمرار إخضاعه للتدقيق، واصلت آفاق النمو في الصين تراجعها، بينما تذيلت أوروبا القائمة كأضعف المناطق نمواً على مستوى العالم على الرغم من تحسن طفيف جداً في مؤشراتها.
ولم يغفل التقرير معاناة المستهلك النهائي؛ حيث توقع الخبراء استمرار ضغوط أزمة تكاليف المعيشة عالمياً، مدفوعة بارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 88%، والكهرباء بنسبة 83%، والنقل بنسبة 77%، مما يهدد بتآكل مستمر في الدخول الحقيقية للأفراد.
طفرة الذكاء الاصطناعي: المحرك الأساسي للتفاؤل
في مقابل التحديات التقليدية، برز الذكاء الاصطناعي التوليدي كبقعة الضوء الأكبر في التقرير، حيث توقع 97% من الخبراء زيادة وتيرة تبنيه عالمياً، ويرتقب 69% منهم تحقيق مكاسب إنتاجية ملموسة بفضله تعيد صياغة كفاءة الأعمال.
ومع ذلك، أشار التقرير إلى عقبة جديدة تتمثل في “معارك مراكز البيانات”؛ فرغم توقع 78% من الاقتصاديين بأن تقود الاستثمارات في مراكز البيانات حصة كبيرة من النمو، يتوقع 79% أن تواجه هذه المشروعات معارضة وضغوطاً شعبية ومحلية واسعة، نظراً لاستهلاكها الضخم للطاقة والمياه، وتسببها في رفع أسعار الخدمات الأساسية، مقابل مساهمة محدودة في خلق وظائف كثيفة للعمالة المحلية.
وعلى صعيد المنافسة التكنولوجية، توقع 69% من الاقتصاديين نجاح نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة الصينية (LLMs) في اللحاق بنظيراتها الأمريكية وسد الفجوة التقنية معها خلال الـ 12 شهراً المقبلة، مما يمهد لحرب باردة جديدة عنوانها السيادة التكنولوجية.
ينهي المنتدى الاقتصادي العالمي تقريره بالإشارة إلى أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة “الهبوط الآمن الحذر”، لكن استدامة هذا الاستقرار تظل رهينة بمدى قدرة القادة السياسيين على احتواء التصعيد العسكري، ومدى سرعة الأسواق في تبني طفرة الإنتاجية الرقمية لتجاوز غياب الدعم المالي التقليدي.




