مقالات

المديرة التنفيذية لأكاديمية ” إيزي روبوت كت” ظلال الشمايلة تكتب لـ ” رقمنة” : “المعلم الرقمي” …. ما يحتاجه التعليم ليواكب المستقبل

رقمنة 

*ظلال الشمايلة

في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا بخطى لا ترحم، لم يعد دور المعلم كما كان، وسط تحولات جذرية تشهده منظومة التعليم والتربية، … فلم يعد مجرد ناقل للمعلومة أو مرشد داخل جدران الصف، بل أصبح بحاجة إلى أن يتحوّل إلى “معلم رقمي” يحمل أدوات المستقبل ويواكب التغيرات في طرق التعلم وأساليب التفاعل مع الطلبة.

التعليم لم يعد محصورًا في كتاب ومنهج، بل أصبح فضاءً مفتوحًا من المنصات التفاعلية، المحتوى الرقمي، الذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز. وكل ذلك يضع المعلم اليوم أمام سؤال جوهري: كيف أتحول من معلم تقليدي إلى معلم رقمي؟

المعلم الرقمي لا يقدّم المعلومة فقط، بل يوجّه الطالب إلى مصادر التعلّم، يشجعه على البحث والاكتشاف، ويُصمّم له تجربة تعليمية تفاعلية. في هذا السياق، يتحول الصف من مكان للاستماع إلى مساحة للتجربة، ومن مكان للتلقين إلى بيئة للإبداع.

ولكي يكون المعلم مؤهلًا لمواكبة هذا التحوّل، فهو يحتاج إلى أدوات ومهارات جديدة، أبرزها إتقان أدوات التعليم الإلكتروني مثل Google Classroom وMicrosoft Teams وCanva Education، والقدرة على التعامل مع المحتوى التفاعلي وتصميم عروض ديناميكية باستخدام الفيديو، الواقع المعزز، والألعاب التعليمية. كما يجب أن يكون لديه وعي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم الطلاب وتحليل تقدمهم، إلى جانب مهارات تصميم المحتوى التعليمي بطريقة مبسطة ومرئية.

الأهم من ذلك أن يتقن المعلم الرقمي مهارة التفاعل الإنساني في بيئة رقمية، فيفهم ديناميكيات التعلم عن بُعد، ويستطيع بناء علاقة تربوية إيجابية رغم الحواجز التكنولوجية. إن دوره لم يعد إلقاء الدرس فحسب، بل أصبح يشبه دور “المصمم التربوي” الذي يبتكر بيئة تعليمية تناسب احتياجات كل طالب، ويحول المفاهيم النظرية إلى تطبيقات حية.

رغم هذا الأفق الرحب، إلا أن المعلم الرقمي يواجه تحديات حقيقية، من أبرزها قلة التدريب الفعلي على الأدوات الحديثة، وضعف البنية التحتية في بعض المدارس، وضغط الوقت بين تغطية المنهج وتعلم التقنيات، إضافة إلى التخوّف من فقدان العلاقة الإنسانية المباشرة داخل الصف. لكن هذه التحديات ليست عائقًا، بل يمكن تحويلها إلى فرص للتطوير إذا توفر الدعم المناسب من المؤسسات التعليمية والإدارات التربوية.

في تجربتي داخل مدارس في مناطق مهمشة، وجدت أن تزويد المعلم بأبسط الأدوات الرقمية كان كافيًا ليُحدث تغييرًا جذريًا في طريقة تعليمه. خلال مسابقة بسيطة استهدفت تدريب الطلاب على أساسيات البرمجة، لم تكن الأدوات متقدمة، لكنها فتحت الباب أمام أكثر من 1400 طالب وطالبة ليعيشوا تجربة تعليمية مختلفة. الأجمل أن المعلمين أنفسهم بدأوا يتعلّمون، يبدعون، ويستخدمون المنصات بأنفسهم. لقد رأيت بعيني كيف يمكن لمعلم واحد أن يزرع في صفّه روح التعلّم الذاتي والفضول، إذا أُعطي المساحة والدعم.

إذا أردنا جيلًا مستعدًا للمستقبل، فلا بد أن نبدأ بالمعلم. فالمعلم هو بوابة الطالب نحو العالم، وهو من يملك القدرة على ترجمة التكنولوجيا إلى أداة تعليمية فعّالة، لا إلى عبء جديد. المعلم الرقمي ليس هو من يعرف كل شيء، بل من يعرف كيف يتعلم… وكيف يساعد الآخرين على أن يتعلموا.

التكنولوجيا في التعليم ليست رفاهية، بل ضرورة. هي اللغة التي يمكن أن نكتب بها فصولًا جديدة في مستقبل أولادنا، نملؤها بالأمل، بالفرص، وبالقدرة على التغيير. تعليم معلم واحد مهارات رقمية قد يُغير صفًا، لكن تمكين المعلم ليكون قائدًا رقميًا… قد يُغير مستقبل مجتمع كامل.

*المديرة التنفيذية لأكاديمية ” إيزي روبوت كت”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى