الاقتصادمقالات

الكاتبة الأردنية دانة زيدان تكتب لـ ” رقمنة” : عن الوجوه التي توقفنا عن رؤيتها ….. هل تسرق التكنولوجيا آخر ما تبقى من إنسانيتنا؟

رقمنة 

*دانة زيدان 

 لماذا نجد من السهل أن نكون قساة في تعليقاتنا عبر منصات التواصل الاجتماعي، بينما تنعقد ألسنتنا لو وقفنا وجهاً لوجه؟ ولماذا نفضل خوض معاركنا بضغطة زر، بدلاً من النظر في عيون خصومنا؟

الحقيقة هي أننا صرنا نعيش في مجتمع صمم أدواته خصيصاً لإلغاء وجه الآخر. فصرنا نمرر صور البشر على تطبيقات التعارف كأنهم مجرد سلع في كتالوج، نلغي كينونة إنسان كامل بمسحة إصبع عابرة (سوايب)، ثم نغير التطبيق بعد ذلك لنقرأ عن موت الآلاف بدمٍ بارد لأن الشاشة تحجب عنا تعابير وجوههم وهي تنكمش ألماً وخوفاً وجوعاً.

يقول الفيلسوف إيمانويل ليفيناس إن وجه الإنسان هو الجزء الذي لا يمكنك تجاهله؛ لأنه في اللحظة التي تحدق فيها بوجه شخص ما، فأنت تلامس هشاشته، وفناءه، بل وحقّه الأصيل في الوجود. لكنني أشعر بأن عالمنا اليوم قرر بشكل منهجي استئصال الوجه من المعادلة، وهنا يكمن خوفي الحقيقي من التكنولوجيا، حيث انها لم تعد مجرد وسيلة تواصل أو تسهيل لحياتنا، بل أصبحت الأداة الأكثر فتكاً لإلغاء الآخر وسلبه إنسانيته قبل سلب حياته.

سياسة “تغييب الوجه”: من أوشفيتز إلى غزة

يكشف بريمو ليفي في كتابه “الغارقون والناجون” عن حيلة نفسية مرعبة كان يمارسها حراس “الأس اس” في معسكرات الاعتقال النازية، حيث كانوا يتجنبون التقاء بصرهم بالسجناء عمداً لأن ذلك يعني اعترافاً ضمنياً بإنسانية الآخر.

اليوم، لم نعد بحاجة لبذل جهدٍ لتجنب تلاقي العيون، لأن التكنولوجيا باتت تقوم بهذه المهمة القذرة نيابةً عنا. حيث نعيش في عالم هندس أدواته لتغتال “الوجه” قبل أن تغتال الجسد. نرى هذا المشهد يتكرر اليوم بصورة أكثر حداثة وأشد وحشية؛ ففي غزة، تُسحق مئات الآلاف من الأرواح وتُختزل في “أرقام” صماء على شريط الأخبار. فالأرقام لا تملك عيوناً لتعاتبنا. لقد تعمّد النظام العالمي تحويل وجوه أطفال غزة إلى غبار وركام، كي لا تضطر عيوننا لرؤية انعكاس إنسانيتنا المهزومة في عيونهم.

يمتد هذا المحو المنهجي ليشمل وجوه الأمهات، والطلاب، والشباب في لبنان وإيران، حيث تُسجن شعوبٌ كاملة داخل “قوالب سياسية” وتُختزل حيواتهم لتصبح مجرد “أهداف عسكرية” على شاشة رادار قبل أن تنتقل لخبر عاجل على شاشة أخبار. تُدار الحروب عبر الشاشات والطائرات المسيرة ومن غرف التحكم المكيفة، وفي هذه المنظومة التقنية ليس هناك اعتبار للبشر، فهي تقصف “إحداثيات رقمية”. لقد نجحت التكنولوجيا في استبدال حرارة الملامح البشرية بخرائط حرارية باهتة، وحوّلت مأساة الوجود إلى مجرد “بيانات” يمكن مسحها بضغطة زر دون أن يرفّ جفن للعالم.

 هذا هو الرعب التقني الذي أخشاه. أننا وصلنا إلى زمنٍ لا نحتاج فيه إلى “تجاهل” الوجه كما فعلت قوات الأمن النازية، بل إلى زمنٍ لا يوجد فيه وجهاً أصلاً. زمنٌ تُصمم فيه علاقاتنا، وحروبنا، وحتى تعاطفنا، عبر خوارزميات تحجب عنا “إنسانية الآخر”، وتجعل من السهل علينا إلغاءه تماماً ما دام بعيداً عن شاشتنا، أو مجرد نقطة تتحرك في “بكسل” ما.

إن مكمن الرعب الحقيقي ليس في الآلة، بل في الكيفية التي استسلمنا بها لوساطتها في كل تفاصيل حياتنا. لقد تحولت التكنولوجيا إلى جدارٍ سميك يحجب عنا ملامح الحياة. فنحن نطلب طعامنا بضغطة زر دون أن نعرف وجه الذي طهاه أو أحياناً حتى الذي أوصله وتركه على باب المنزل. نشتري احتياجاتنا عبر خوارزميات تلغي وجوه الكادحين خلفها. حتى في أعمق مشاعرنا، صرنا نحب ونكره وننهي علاقاتنا بكلمات باردة تُرسل عبر الأثير، هاربين من مواجهة “الوجه” الذي قد يربكنا بدمعه أو يحرجنا بصدقه.

لقد أصبحنا نمارس “الإلغاء” كروتين يومي، فالمخالف لنا في الرأي خلف الشاشة ليس إنساناً بملامح وقصة، بل هو مجرد “اسم مستعار” نلقي في وجهه أقسى الكلمات ونحن مطمئنون لغياب المواجهة.

إن السؤال الأخلاقي الأهم في عصرنا ربما: “من هي الوجوه التي توقفنا عن رؤيتها منذ استخدمنا هذه التقنيات؟”.

عندما نتوقف عن رؤية وجه الطفل في غزة، والأم في بيروت، والشاب في طهران، أو حتى الصديق الذي نختلف معه خلف الشاشة، فنحن لا نلغي إنسانيتهم هم فحسب، بل نقتل الجزء الأخلاقي والحيّ بداخلنا نحن، ونتحول تدريجياً إلى “بيانات” في عالم لم يعد يتسع للوجوه.

 ربما لنستعيد ما تبقى من إنسانيتنا علينا البدء بالتحديق في وجه الآخر والاعتراف بوجوده خارج حدود البكسلات. فإذا أردنا استعادة جوهرنا قبل أن تبتلعه الآلة تماماً، علينا أولاً أن نمتلك الشجاعة للنظر في الوجوه التي حاول العالم إخفاءها خلف الركام.. وخلف الشاشات.

*كاتبة أردنية

Danamzeedan@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى