
رقمنة
*خالد الأحمد
في الفايننشال تايمز، طرح كاتبٌ فكرة تبدو “منطقية” للوهلة الأولى: منع من هم دون 16 سنة من دخول منصات التواصل الاجتماعي.
لكن المقال نفسه يقول شيئًا أهم: هذا ليس حلًا. لأنه ببساطة يخلط بين “عمر المستخدم” و”طبيعة الفضاء الرقمي”.
وهنا النقطة التي تستحق الوقوف عندها.
المنع يريحنا نفسيًا… لكنه لا يعالج السبب
المنع يعطي شعورًا بالسيطرة. كأننا اغلقنا الباب وانتهى الموضوع.
لكن الواقع أن المشكلة ليست في الأطفال فقط.
المشكلة في المنصات نفسها:
- خوارزميات مبنية على الإدمان والانتباه، لا على الفائدة
- اقتصاد كامل قائم على “كل ثانية تقضيها هنا = أرباح أكثر”
- تصميم يُكافئ الإثارة، التطرّف، المقارنات، والتوتر
- وبيئة تجعل أسوأ ما في البشر أكثر ظهورًا، وأكثر انتشارًا
فحتى لو منعت من دون 16… ماذا عن 16 إلى 60؟
هل تغيّرت طبيعة المنصة؟ لا.
ماذا يحدث عمليًا لو طبقنا المنع؟
لنكون واقعيين. المنع غالبًا ينتج واحدًا من ثلاثة:
- التحايل
الأطفال أذكى مما نتصور في هذه الأمور. حسابات بأعمار مزيفة، أجهزة الأهل، VPN، أي شيء. - انتقال المشكلة لمكان آخر
إذا لم تكن المنصة تيك توك، ستكون لعبة، أو منصة دردشة، أو مجتمع مغلق. - تأجيل الصدمة بدل تقليلها
بدل أن يتعلّم الطفل مهارات التعامل مع الفضاء الرقمي تدريجيًا، يدخل فجأة بعد 16 وكأنه دخل مدينة بلا قوانين ولا تدريب.
إذا لم يكن المنع… فما البديل؟
البديل ليس “تركهم على راحتهم”.
البديل هو التعامل مع الفضاء الرقمي كبيئة عامة تحتاج تنظيمًا مثل أي بيئة تؤثر على الصحة العامة.
بمعنى:
1) تنظيم المنصات لا المستخدمين فقط
- شفافية الخوارزميات: لماذا يظهر هذا المحتوى؟ وبأي منطق؟
- قيود على الاستهداف الإعلاني للقاصرين
- تقليل عناصر الإدمان في التصميم (التمرير اللانهائي، الإشعارات العدوانية)
- معايير واضحة لمحتوى العنف والتحرش والتنمر
2) تمكين الأهل بدل تحميلهم الذنب
كثير من الأهالي يشعرون أنهم في معركة بلا أدوات.
الأداة ليست “خذوا الهاتف”.
الأداة هي:
- إعدادات عمرية حقيقية وليست شكلية
- لوحات تحكم مفهومة للأهل
- خيارات توازن بين الخصوصية والحماية
3) تعليم مهارات رقمية… مثل تعليم السباحة
أنا أرى الموضوع مثل البحر.
لا تمنع ابنك من البحر للأبد.
تعلّمه السباحة، وتراقبه، وتضع قواعد.
المهارات الأساسية:
- فهم التضليل والمقارنات
- إدارة الانتباه والوقت
- كيف يقول “لا” للمحتوى المؤذي
- وكيف يطلب المساعدة عندما يتعرض للتنمر أو الابتزاز
الخلاصة
منع من دون 16 قد يكون قرارًا سياسيًا سهل التسويق.
لكنّه لا يغيّر حقيقة واحدة: الفضاء الرقمي اليوم مُصمم ليبتلع انتباهنا… كبارًا وصغارًا.
فبدل أن نسأل: “كم عمر المستخدم؟”
ربما السؤال الأهم هو: “لماذا هذا الفضاء بهذه الوحشية أصلًا؟”
*الشريك المؤسس في موقع ” رقمنة”




