مقالات

الشريك المؤسس في ” رقمنة” خالد الأحمد يكتب : الذكاء الاصطناعي يقترب من “تنفيذ العمل” لا “مساعدة الموظف”

رقمنة

*خالد الأحمد

في وقت يشهد فيه الذكاء الاصطناعي سباقاً عالمياً متسارعاً وتحديثات متلاحقة من كبرى المختبرات، يتزايد النقاش في الأردن والخليج حول مدى قرب تأثير هذه التقنيات على سوق العمل، خصوصاً وظائف المعرفة التي تعتمد على التحليل والكتابة وإعداد التقارير والعروض.

وجاء هذا النقاش بعد انتشار مقال لرائد الأعمال Matt Shumer بعنوان “Something Big Is Happening” نشره بتاريخ 9 شباط 2026، شبّه فيه اللحظة الحالية ببدايات 2020 قبل أن تتضح ملامح جائحة كورونا، محذراً من أن كثيرين ما زالوا في مرحلة “الاستخفاف المبكر” بما يجري، وأن الفجوة بين ما يراه العاملون داخل القطاع وما يدركه الجمهور العام أصبحت كبيرة وقد تؤدي إلى تأخر مؤسسي في الاستعداد للتغيير.

وقال Shumer إن التحول لم يعد مرتبطاً بتحسينات تدريجية، بل بقفزات سريعة تقلّص الفاصل الزمني بين الإصدارات، وتزيد قدرة النماذج على تنفيذ مهام كاملة بصورة شبه مستقلة، وليس الاكتفاء بتوليد نصوص أو اقتراحات.

إصدارات شباط 2026 ترفع سقف التوقعات

وتزامن انتشار المقال مع إعلان شركتين من أبرز مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي عن نماذج جديدة في 5 شباط 2026، حيث أطلقت Anthropic نموذج Claude Opus 4.6، فيما أعلنت OpenAI عن GPT-5.3-Codex الموجّه للأعمال البرمجية والمهام “الوكيلية” (Agentic workflows).

وبحسب المتابعين، فإن أهمية هذه الإصدارات لا تكمن فقط في “جودة الإجابة”، بل في الانتقال من نمط “المساعدة” إلى نمط أقرب لـ “التفويض”، حيث يحدد المستخدم النتيجة المطلوبة ويترك للنموذج تنفيذ سلسلة خطوات متعددة، بما يشمل التخطيط والتنفيذ والتعديل والتحقق.

نموذج يساعد في بناء نفسه

ومن أكثر النقاط التي أثارت اهتمام مجتمع التقنية، ما أشارت إليه OpenAI في وثائقها حول دور النسخ المبكرة من GPT-5.3-Codex في دعم عمليات تطوير النموذج نفسه، عبر تصحيح أخطاء وإدارة عمليات اختبار وتشخيص نتائج التقييمات.

ويرى متابعون أن هذا النوع من “حلقة التغذية الراجعة” قد يسرّع وتيرة التطور، لأن النماذج الحالية تصبح جزءاً من أدوات بناء الأجيال التالية، وهو ما ينعكس على سرعة التحسن بين إصدار وآخر.

 

الاعتراض الأكثر شيوعاً: “جرّبتها ولم تكن جيدة”

وتناول Shumer في مقاله اعتراضاً شائعاً لدى المستخدمين، يتمثل في أن كثيرين جرّبوا أدوات الذكاء الاصطناعي في 2023 أو بداية 2024 ولم يجدوا فيها مستوى الاعتمادية المطلوب، لافتاً إلى أن تلك التجارب لا تمثل ما وصلت إليه النماذج في 2026، وأن جزءاً من المشكلة يعود إلى استخدام الذكاء الاصطناعي كبديل لمحرك بحث، بدلاً من توظيفه داخل العمل الحقيقي بمستندات وبيانات وسياق واضح ومعايير جودة.

وأشار إلى أن التقييم العملي لهذه الأدوات يتطلب اختبارها في مهام فعلية، مثل تحليل ملف بيانات، مراجعة عقد، إعداد مقترح عميل، أو بناء نموذج مالي، وليس الاكتفاء بأسئلة عامة أو تجارب سطحية.

ما القطاعات الأكثر تعرضاً في الأردن والخليج؟

يرى مختصون أن التأثير الأقرب سيظهر تدريجياً في القطاعات التي يعتمد الجزء الأكبر من عملها على إنتاج المعرفة عبر الشاشة، مثل:

  • الاستشارات وإعداد العروض التقديمية وتحليل البيانات
  • التسويق والوكالات وصناعة المحتوى وإعداد تقارير الأداء
  • المبيعات (خصوصاً B2B) عبر المقترحات والمتابعات وصياغة العروض
  • مراكز الاتصال وخدمة العملاء متعددة الخطوات
  • الأعمال التشغيلية والإدارية المتكررة (Operations وHR)
  • التحليل المالي وإعداد المذكرات والتقارير الإدارية

ويشير المتابعون إلى أن التأثير قد لا يأتي دائماً على شكل “استبدال مباشر” للوظائف، بل عبر انتقال الشركات إلى فرق أصغر عدداً وأكثر إنتاجية بفضل اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في الأدوار المبتدئة والمتوسطة التي تتركز مهامها على المسودات وتجميع المعلومات وتلخيصها.

أمثلة تطبيقية قريبة من واقع السوق المحلي

المبيعات والمقترحات التجارية:
بدلاً من استهلاك يومين لإعداد مقترح عميل، بدأت بعض الفرق بتجربة نمط تشغيل يعتمد على: تلخيص الاجتماع تلقائياً، استخراج الاحتياجات والاعتراضات، صياغة عرض قيمة حسب القطاع، ثم إنتاج مسودة أولى للمقترح خلال ساعات، مع مراجعة بشرية نهائية تركز على التسعير والالتزام.

الاستشارات والعروض التقديمية:
تتجه فرق إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج “المسودة الأولى” للهيكل والقصة والشرائح، مقابل تركيز الفريق على التحقق من الأرقام وملاءمة التوصيات وتخصيص الرسائل حسب العميل، ما يقلل زمن إعداد العرض ويرفع قدرة الفريق على خدمة عدد أكبر من العملاء.

خدمة العملاء متعددة الخطوات:
بدلاً من شات بوت تقليدي يرد بإجابات عامة، يجري اختبار وكلاء قادرين على فهم الحالة من محادثة طويلة، اقتراح خطوات حل متعددة، تحديد متى يصعد الحالة، ثم توثيقها داخل نظام التذاكر.

المالية والتخطيط (FP&A):
يمكن للذكاء الاصطناعي دعم إعداد التقارير الشهرية عبر تلخيص الفروقات، تفسير الانحرافات حسب المنتجات أو الفروع، واقتراح “أسئلة الإدارة” المحتملة، قبل أن يقوم الفريق بالمراجعة النهائية وربط الأرقام بالقصة الإدارية.

توصيات عملية للمؤسسات

في ضوء هذه التطورات، يوصي مختصون بأن تبدأ المؤسسات من “المهام” لا من “الأدوات”، عبر:

  • إعداد قائمة بالمهام المتكررة الأعلى استهلاكاً للوقت
  • اختيار 3 مهام قابلة للقياس والتحقق وتطبيق الأتمتة عليها أولاً
  • بناء طبقة مراجعة بشرية واضحة، لأن عنق الزجاجة ينتقل من “الإنتاج” إلى “التحقق”
  • تدريب الفرق حسب الدور (مبيعات، تسويق، عمليات، إدارة) بدلاً من تدريب عام غير مخصص
  • وضع سياسات بيانات وأدوات معتمدة لضبط المخاطر دون تعطيل التجربة

أبرز النقاط

  • نقاش متصاعد في المنطقة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف المعرفة
  • تحول متسارع من “مساعد” إلى “وكيل” ينفذ مهام كاملة متعددة الخطوات
  • القطاعات الأكثر تعرضاً: الاستشارات، التسويق، المبيعات، خدمة العملاء، والوظائف التحليلية
  • التأثير قد يظهر أيضاً عبر فرق أصغر وأكثر إنتاجية، وليس استبدالاً مباشراً فقط
  • توصيات تبدأ من إعادة تصميم المهام وبناء نظام مراجعة وسياسات بيانات واضحة. 

*الشريك المؤسس في موقع رقمنة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى