مقالات

الشريك المؤسس في ” رقمنة” خالد الأحمد يكتب : سيلك لينك في سوريا… ولماذا يجب أن ينتبه الأردن الآن؟

رقمنة
كنت أقرأ مؤخرا محتوى اعلامي عن مشروع “سيلك لينك” في سوريا، وبصراحة… كانت أولى ردّات الفعل مني:  ان هذا المشروع سوري سعودي، فكيف يمكن ان يتأثر ويستفيد الأردن؟
ثم توقفت……. لأن مشاريع البنية التحتية الرقمية لا تبقى داخل الحدود. هي تعيد رسم خرائط المرور، الاعتمادية، وحتى كلفة الإنترنت في الإقليم.
حتى افهم الموضوع من ناحية اقتصادية لجأت الى تطبيق الذكاء الاصطناعي ….. وطلبت من ”  ChatGPT Pro”  أن يقرأ وثيقة المشروع الرسمية (FAQ) ويحلّلها نقطة نقطة، ثم يكتب لي كيف يمكن للأردن أن يستفيد منها عملياً.
الوثيقة تتحدث عن مسار بري بديل لحركة البيانات بعيداً عن الطرق البحرية التقليدية، وعن تقليل زمن الاستجابة، وعن سعات نقل ضخمة، ومبدأ عدم التمييز بين المشغلين، وخدمات جملة لشركات الاتصالات فقط.
ومن هنا بدأت الأسئلة الأردنية الحقيقية تظهر:
إذا أصبح هناك “أوتوستراد بيانات” جديد قريب منا، هل سنظل نشتري الإنترنت كخدمة مستوردة فقط؟
أم سنستثمر موقعنا وقدراتنا لنأخذ جزءاً من القيمة: ربط، تبادل، استضافة، ومراكز بيانات؟
هذا المقال محاولة للإجابة. بهدوء، وبأرقام، وبعين الأردن أولاً.

في الأخبار، مشروع “سيلك لينك” يبدو سورياً بامتياز: شبكة ألياف ضوئية عملاقة، استثمار كبير، وتحول رقمي منتظر.

لكن إذا نظرت إليه بعين الأردن، ستشعر أنه ليس خبراً خارجياً فقط.
هو تغيّر في “جغرافيا البيانات” حولنا.
وعندما تتغيّر جغرافيا البيانات، تتغيّر معها أسعار الإنترنت، جودة الخدمة، وتنافسية الاقتصاد الرقمي كله.
أولاً: ما الذي يقدمه سيلك لينك فعلياً؟
وفق وثيقة المشروع، سيلك لينك هو “عمود فقري” جديد للألياف داخل سوريا يرفع السعات المتاحة ويحوّل سوريا إلى مسار عبور للبيانات بين الشرق والغرب.
الميزة الجوهرية هنا ليست فقط تحسين الإنترنت داخل سوريا.
الميزة هي خلق مسار بري مستقل لحركة الإنترنت العالمية، كبديل عملي عن الاعتماد العالي على الكابلات البحرية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وهذا يقودنا للأردن.
1) الأردن يستفيد عندما تتعدد المسارات… لأن المخاطر تتوزع
أي دولة تعتمد على مسار أو مسارين فقط للربط الدولي، تبقى مكشوفة.
اليوم نعيش في عالم يحدث فيه انقطاع كابل أو اضطراب جيوسياسي ويهتز معه الإنترنت والخدمات المالية والسحابة.
” سيلك لينك ” يطرح مساراً برياً بديلاً، مصمم ليكون خياراً سريعاً وجذاباً لشركات الاتصالات العالمية.
بالنسبة للأردن، هذا يعني شيئاً عملياً جداً:
  • مرونة أعلى في اختيار مزودي النقل الدولي
  • قدرة أفضل على التحويل وقت الأعطال
  • تقليل أثر “نقطة الاختناق” حين تتعطل مسارات بحرية
هذه ليست رفاهية. هذه بنية سيادية رقمية.
2) زمن الاستجابة… مكسب صغير على الورق، لكنه كبير في الواقع
الوثيقة تشير إلى أن المسار يمكن أن يقلّل زمن الاستجابة بنحو 30 إلى 40 ملي ثانية.
قد يقول أحدهم: “ما الفرق؟”
الفرق يظهر فوراً في:
  • خدمات الذكاء الاصطناعي الحساسة للزمن
  • التداول والخدمات المالية
  • جودة الاتصال المرئي والاجتماعات
  • تجربة التطبيقات التي تُستهلك من خارج الأردن
الميلي ثانية ليست رقماً تقنياً فقط.
هي جزء من تجربة المستخدم… وجزء من تنافسية الشركات التي تصدّر خدمات رقمية.
3) السعات الضخمة تعني سوقاً أكثر تنافسية، وفرصة لخفض الكلفة
الشبكة تستهدف سعات ابتدائية لا تقل عن 200 تيرابت/ثانية، مع قابلية توسع إلى 500 تيرابت، وخارطة طريق باتجاه 1.5 بيتابت/ثانية.
في الاقتصاد، زيادة السعة وتعدد الخيارات غالباً ما تؤدي إلى:
  • منافسة أعلى بين المسارات ومزودي النقل
  • تحسن تدريجي في الأسعار للمشغلين
  • ثم تحسن في الجودة والتجربة للمستخدم النهائي
ليس لأن “الأسعار ستنخفض تلقائياً”، بل لأن أدوات التفاوض تصبح أقوى.
4) الأردن ليس بعيداً عن خريطة الربط… بل على أطرافها المنطقية
من الواضح أن المشروع يتضمن نقاط دخول وخروج حدودية وبنية ربط إقليمية، ومع خريطة المسارات (صفحة 8) يظهر الأردن ضمن محيط المسار الجنوبي المتوقع.
وهنا الفكرة:
الأردن يمكنه الاستفادة بطريقتين:
  • كطرف يحصل على مسارات ربط إضافية أقرب جغرافياً
  • أو كعقدة خدمات رقمية تستضيف وتخدم، وليس فقط تستهلك
5) القيمة الأكبر: مراكز البيانات و”اقتصاد الخدمات” حول المسار
الوثيقة تشرح أن تحول سوريا إلى مركز عبور يفتح الباب لخدمات مثل:
Colocation وCaching وPeering، وما ينشأ عنها من صناعات مرتبطة.
وهنا السؤال الذي يهم الأردن:
هل سنترك القيمة تُبنى كلها على المسار… أم نبني نحن جزءاً من الخدمات حوله؟
الأردن يمتلك عناصر قوة حقيقية:
  • قاعدة شركات تقنية محترمة
  • بيئة تنظيمية مستقرة نسبياً
  • موقع وسيط منطقي بين أسواق متعددة
إذا تم تهيئة البيئة (حوافز مراكز البيانات، تقوية تبادل الإنترنت IXP، تسهيل الربط الإقليمي)، يصبح الأردن مرشحاً لاستقطاب جزء من الاستضافة والخدمات حتى لو كان “الطريق” يمر جغرافياً في دولة مجاورة.
6) نقطة مهمة: هذا مشروع “جملة” لا ينافس المشغلين بالتجزئة
الوثيقة تقول بوضوح إن سيلك لينك مخصص لبيع السعات “بالجملة” لمشغلي الاتصالات ومزودي الخدمة فقط، وليس للبيع المباشر للأفراد.
هذا يطمئن السوق ويزيد فرص الاستفادة الأردنية، لأن القيمة تأتي عبر:
  • اتفاقيات ربط
  • شراء سعات
  • شراكات نقل دولي
    وليس عبر دخول منافس يبيع للمستهلك النهائي.
ماذا يحتاج الأردن حتى يحول هذه الفرصة إلى مكسب؟
الفائدة ليست تلقائية. تحتاج قراراً وخطوات عملية، مثل:
  • تفاوض مبكر على اتفاقيات الربط والمسارات
  • رفع جاهزية الـ IXP داخل الأردن لتعظيم الـ Peering وتقليل الاعتماد على Transit
  • بناء قصة استثمارية واضحة لمراكز البيانات والـ CDN
  • اعتبار “البنية الرقمية” جزءاً من الأمن الاقتصادي، لا مجرد ملف تقني
في النهاية، سيلك لينك ليس مشروع كابلات فقط.
هو إعادة توزيع للقوة في سوق البيانات الإقليمي.
والأردن… إذا تحرك بذكاء، يمكنه أن يكون مستفيداً لا متفرجاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى