
يشهد القطاع العام الأردني توسعاً متسارعاً في رقمنة الخدمات الحكومية وبناء الأنظمة الوطنية، ما أدى إلى تراكم كميات كبيرة من البيانات في مختلف القطاعات، من التعليم والصحة إلى المالية والتخطيط والخدمات البلدية. غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في توافر البيانات، بل في القدرة على تحويلها إلى قرارات أفضل وسياسات أكثر فاعلية.
تُظهر التجربة العملية وجود مفارقة واضحة: بيانات متاحة، لكن أثرها على جودة القرار العام لا يزال محدوداً. ويعود ذلك إلى أن العديد من المؤسسات ما تزال تتعامل مع البيانات بوصفها عبئاً تنظيمياً أو ملف امتثال، لا باعتبارها أصلاً استراتيجياً يدعم التخطيط، ويُحسن تخصيص الموارد، ويرفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين.
على المستوى الدولي، يتضح التحول في النظرة إلى البيانات من خلال قرارات سياسية عليا. فقد اتجهت الولايات المتحدة مؤخراً إلى تخفيف القيود على تناقل البيانات عبر الحدود مع الشركاء الموثوقين، ولا سيما في إطار “إطار الخصوصية للبيانات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي”، وذلك انطلاقاً من قناعة بأن تدفق البيانات المنضبط والآمن أصبح شرطاً للنمو الاقتصادي، والابتكار، وتطوير الذكاء الاصطناعي وتحسين صتاعة القرار، وليس خطراً يجب عزله بالكامل. هذا التوجه يعكس فهماً متقدماً لدور الحوكمة: حماية الحقوق دون خنق القيمة.
هذه الدروس بالغة الأهمية للأردن. فالحوكمة الصارمة للبيانات لا تعني الانغلاق، بل تعني تمكين الاستخدام المسؤول. الدولة التي تنجح في تنظيم بياناتها بجودة عالية، وأطر واضحة للخصوصية والسيادة، تكون أقدر على الاستفادة من التحليلات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والتكامل مع الشركاء الدوليين.
غير أن التقنية وحدها لا تكفي. التحدي الأكبر يظل ثقافياً وقيادياً. فحين تُتخذ القرارات أولاً ثم يُطلب من البيانات تبريرها لاحقاً، تفقد البيانات قيمتها. أما حين تصبح البيانات نقطة الانطلاق في صياغة السياسات، وأداة لمساءلة القرار وتحسينه، فإنها تتحول إلى رافعة حقيقية للإصلاح.
اليوم، ومع ارتباط التحول الرقمي ببرامج التحديث الاقتصادي والإداري، تبرز الحاجة إلى قيادة بيانية حكومية تقيس نجاحها بالأثر: تقليل زمن الخدمة، تحسين استهداف الدعم، رفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز ثقة المواطن. فبناء منصة أو نظام ليس إنجازاً بحد ذاته، ما لم ينعكس في قرار أفضل ونتيجة ملموسة.
في المرحلة المقبلة، سيكون التميّز الحكومي مرهوناً بالانتقال من إدارة البيانات إلى قيادتها، ومن التركيز على الامتثال فقط إلى صناعة القرار القائم على الأدلة. فالدولة التي تحسن استخدام بياناتها، تحسن استخدام مواردها، وتبني سياساتها على أسس أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.
- مدير مركز المعلومات الوطني للعلوم والتكنولوجيا




