
رقمنة
*وصفي الصفدي
يكفي نفاق. هذه ليست مجرد عبارة انفعالية، بل توصيف دقيق لمرحلة لم يعد فيها التزييف قادرًا على الصمود طويلًا. نحن أمام واقع جديد، تحكمه تدفقات معلوماتية غير مسبوقة، وانفتاح عالمي ألغى احتكار المعرفة، وغيّر بشكل جذري معادلة التأثير والإقناع.
لم يعد الخطاب الرنان، ولا المقابلات المصممة بعناية، ولا حتى السرديات المكررة قادرة على الوصول إلى عقول الناس كما في السابق. السبب ليس فقط تغير الجمهور، بل تغير البيئة بالكامل. اليوم، أي معلومة، سواء كانت حديثة أو تعود لعقود، أصبحت في متناول أي مستخدم خلال ثوانٍ. محركات البحث، قواعد البيانات المفتوحة، الأرشيفات الرقمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، كلها خلقت واقعًا لا يمكن فيه إخفاء التناقضات أو إعادة تدوير الروايات دون مساءلة.
الأهم من ذلك، أن ثورة الذكاء الاصطناعي نقلت هذا التحول إلى مستوى أكثر عمقًا. لم يعد المستخدم مجرد متلقٍ، بل أصبح محللًا، قادرًا على المقارنة، التحقق، واستخلاص الأنماط بسرعة غير مسبوقة. أدوات التحليل، التلخيص، واكتشاف التناقضات، جعلت من الصعب جدًا تمرير معلومة غير دقيقة دون أن يتم كشفها أو على الأقل التشكيك فيها.
وفق تقارير حديثة صادرة عن مؤسسات دولية مثل OECD وReuters Institute، فإن الوعي الرقمي لدى المستخدمين في تصاعد مستمر، خاصة لدى الفئات الشابة، التي أصبحت أكثر قدرة على التمييز بين المصادر، وأكثر تشككًا في الخطابات غير المدعومة بالأدلة. وفي المقابل، تشير نفس التقارير إلى تصاعد موازٍ في محاولات التضليل، ما يعكس سباقًا مفتوحًا بين الوعي والتزييف.
لكن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه البعض اليوم هو الاستخفاف بقدرة الجمهور. الاعتقاد بأن بالإمكان تمرير خطاب متناقض أو معلومة غير دقيقة لم يعد واقعيًا. المتلقي اليوم يمتلك أدوات لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة، وبضغطة زر يمكنه التحقق، المقارنة، وحتى الرجوع إلى أرشيف كامل من التصريحات والمواقف. خلال ثوانٍ، يستطيع أن يدرك مدى صدقك أو كذبك.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود مخاطر جديدة. فمع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، ظهرت تحديات مثل التزييف العميق والتضليل الممنهج، حيث يمكن إنتاج محتوى يبدو واقعيًا إلى حد كبير. هذه الأدوات تفرض مستوى أعلى من الحذر، ليس فقط من صانع المحتوى، بل من المتلقي أيضًا. الوعي الرقمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة.
هنا تتضح معادلة المرحلة: كلما ارتفعت قدرة الوصول إلى المعلومات، ارتفعت معها مسؤولية الصدق والشفافية.
وكلما تطورت أدوات التحقق، تقلصت مساحة الكذب، لكنها لم تختفِ بالكامل.
ما نشهده اليوم هو لحظة فرز حقيقية. لم يعد ممكنًا الاستمرار في خطاب مزدوج، أو التبجح بمعلومات يعلم صاحبها قبل غيره أنها غير دقيقة. الأسوأ من ذلك، أن البعض يدرك أن الجمهور يعلم، ومع ذلك يصر على الاستمرار، في مشهد يعكس أزمة أعمق من مجرد تضليل، بل خلل في تقدير الوعي الجمعي.
الارتقاء بالخطاب لم يعد ترفًا، بل شرطًا للبقاء في دائرة التأثير. الشفافية لم تعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة استراتيجية. والمصداقية أصبحت العملة الوحيدة القابلة للتداول في فضاء مفتوح لا يرحم التناقض.
في النهاية، الرسالة واضحة: زمن السيطرة على العقول عبر الصوت العالي قد انتهى، وزمن المساءلة الفورية قد بدأ.
فلنرتقِ بالخطاب، ولنضع حدًا للاستخفاف، لأن الحقيقة اليوم أقرب إلى الناس من أي وقت مضى، وأسرع في الوصول من أي كذبة مهما كانت محبوكة.
*خبير في مجال التقنية والاتصالات




