
رقمنة
*وصفي الصفدي
لطالما كان يُنظر إلى التحول الرقمي كعملية تقنية بحتة، ترتكز على أتمتة الإجراءات واستبدال الوثائق الورقية بالملفات الرقمية. ولكن التجارب العالمية أثبتت أن التحول الرقمي الناجح والمستدام هو تحول ثقافي وإنساني في جوهره، تكون فيه التكنولوجيا أداة لخدمة هدف أسمى: تحسين جودة حياة المواطن. إن التحول الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من التركيز على تطوير الأنظمة إلى إعادة تصميم رحلة المواطن الرقمية.
إن مفهوم “محوره المواطن” ليس مجرد شعار، بل هو منهجية عمل متكاملة. بدلاً من أن تُقدم الخدمات الحكومية بشكل منفصل ومجزأ، يجب أن تُعاد صياغتها لتكون متكاملة وسلسة. على سبيل المثال، عند التفكير في “إجراء ما” مثل تأسيس عمل جديد، لا ينبغي أن يضطر رائد الأعمال إلى التعامل مع عشرات الإجراءات المنفصلة من جهات مختلفة. بدلاً من ذلك، يجب أن تُدمج كل هذه الخدمات في “حزمة واحدة”، تُقدّم عبر منصة موحدة، تتيح له إنجاز كافة معاملاته بخطوات قليلة وجهد أدنى.
هذا هو جوهر التحول الذي يسد الفجوة بين تعقيدات الأنظمة الحكومية وتطلعات المواطن البسيطة والعملية وقس على ذلك العديد من الأمثلة الاخرى من بين الأمور الهامة، نذكر الربط الرقمي بين جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية.
على سبيل المثال، الطالب في المرحلة الثانوية العامة الذي يرغب في التقدم للجامعات، يواجه مرحلة تحميل الأوراق الرسمية وتصديق عدد كبير من النسخ لكل جامعة، مما يعتبر إضاعة للوقت والمال والبيئة. في المقابل، يمكن التحقق من طلب التقديم من خلال الرقم الوطني، واستخراج الوثائق الرقمية من الأنظمة وإرفاقها بالطلب مباشرة.
كما يمكن للجهات التي يتم التقديم إليها تدقيق الأوراق الإلكترونية من مصدرها الأساسي، مثل دائرة الأحوال المدنية ووزارة التربية وغيرها وهنالك العديد من الإجراءات التي يمكن تعظيم نتائجها من خلال تسخير التكنولوجيا لخدمة المواطنين.
لتحقيق هذه الرؤية، يجب أن يتبنى القطاع العام عقلية جديدة. لا يجب أن يكون السؤال هو “ماذا يمكن للتكنولوجيا أن تفعل؟” بل يجب أن يكون “ما الذي يحتاجه المواطن حقاً؟”. يتطلب ذلك الاستماع المستمر إلى صوت المواطن، وتوفير قنوات فعالة للتغذية الراجعة، مثل بوابة “تَواصَل”، وتحليل هذه البيانات لفهم نقاط الألم في رحلة المستخدم الرقمية. بهذه الطريقة، تتحول الحكومة من مقدم خدمات إلى شريك في الابتكار، وتصبح الحلول الرقمية نتاجاً لتفاعل حقيقي بين الطرفين.
إن هذا النهج لا يمكن أن يتحقق إلا عبر منظومة متكاملة من الشراكات. كما تُظهر التجارب الإقليمية، فإن التعاون بين الجهات الحكومية المختلفة، والقطاع الخاص، والأوساط الأكاديمية، والمجتمع المدني هو مفتاح النجاح. عندما يعمل جميع الأطراف معاً، يمكن تجنب الازدواجية في الأدوار، وتوحيد الجهود، وتوجيه الموارد نحو بناء بنية رقمية متينة وخدمات رقمية مبتكرة. إن هذه الشراكات تضمن أن التحول الرقمي لا يخدم قطاعاً واحداً، بل يخدم المجتمع بأسره، ويخلق منظومة حيوية تستفيد من خبرات الجميع.
إن التحول الرقمي هو رحلة مستمرة، ونجاحها مرهون بمدى قدرتنا على وضع المواطن في قلبها. عندما تكون التكنولوجيا أداة لتبسيط حياة الناس، وتسهيل وصولهم للخدمات، وتمكينهم من المشاركة في بناء مستقبلهم، حينها فقط يمكننا القول إننا حققنا تحولاً رقمياً مستداماً وفعالاً، يخدم حاضر الأردن ومستقبله.
*الخبير في مجال التقنية