
رقمنة
*الاستاذ الدكتور أحمد غندور
مع وصولنا إلى هذا المقال، نكون قد قطعنا شوطًا متقدمًا في مرحلة التمكين الإنتاجي. تحدثنا عن الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج، عن فرص العمل في الاقتصاد الرقمي، عن المحتوى المحلي، وعن الاقتصاد الإبداعي ودور الذكاء الاصطناعي كأداة تمكين لا كبديل. لكن يبقى سؤال حاسم لا يمكن تجاوزه: ما قيمة كل هذا الإنتاج إن لم تكن حقوق أصحابه محمية؟
في العالم الرقمي، الإبداع مكشوف بطبيعته. أي محتوى يُنشر يمكن نسخه، إعادة استخدامه، أو حتى السطو عليه خلال ثوانٍ. المشكلة هنا ليست في انفتاح البيئة الرقمية، بل في غياب منظومة واضحة تحمي المبدع وتمنحه ثقة الاستمرار. كثير من المبدعين في بيئاتنا العربية يترددون في النشر أو الاستثمار في أفكارهم، ليس لأنهم عاجزون عن الإنتاج، بل لأنهم لا يشعرون أن حقوقهم محفوظة.
الملكية الرقمية هي الامتداد الطبيعي لمفهوم الملكية الفكرية في العصر الرقمي. هي حق المبدع في أن يُنسب إليه عمله، وأن يُستخدم وفق شروط واضحة، وأن يُحاسَب من يعتدي عليه. لكنها في السياق الرقمي تحتاج أكثر من نص قانوني. تحتاج إلى قابلية تطبيق، وسهولة إثبات، وسرعة إنفاذ.
في كثير من الدول العربية، توجد قوانين ملكية فكرية جيدة نظريًا. المشكلة ليست في التشريع بقدر ما هي في التنفيذ. الإجراءات بطيئة، التقاضي مكلف، والبيئة الرقمية أسرع بكثير من مسارات الحماية التقليدية. النتيجة أن المبدع يُترك وحده في مواجهة منصات عالمية وسوق مفتوحة لا تعترف إلا بما يمكن إثباته بسرعة ووضوح.
هنا يصبح السؤال عمليًا: هل يمكن تطبيق نهج فعّال لحماية المبدع المحلي في بيئاتنا العربية؟
الجواب نعم، ولكن بشرط أن ننتقل من التفكير القانوني المجرد إلى منظومة حماية متكاملة.
الركيزة الأولى هي الإطار القانوني القابل للتنفيذ. نحتاج مسارات مختصرة للنزاعات الرقمية، وإجراءات إلكترونية لتسجيل المصنفات، وجهات واضحة تستقبل الشكاوى وتتابعها. المبدع لا يحتاج نصًا قانونيًا مطولًا، بل يحتاج أن يرى نتيجة عندما تُنتهك حقوقه.
الركيزة الثانية هي الإثبات التقني للأسبقية. في العالم الرقمي، من يملك الدليل يملك الحق. أدوات بسيطة يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا: توثيق زمني للمحتوى قبل نشره، حفظ النسخ الأصلية وملفات العمل، استخدام علامات مائية ذكية، وربط المحتوى بهوية رقمية موثوقة. هذه الممارسات يجب أن تصبح جزءًا من الثقافة الرقمية، لا حلولًا استثنائية بعد وقوع المشكلة.
الركيزة الثالثة هي التقنيات الناشئة مثل البلوك تشين وNFT، لكن بفهم واقعي. هذه الأدوات ليست حلًا سحريًا، وليست سوق مضاربات. قيمتها الحقيقية تكمن في التوثيق غير القابل للتلاعب، وإثبات الملكية والأسبقية، وربط العمل بصاحبه بشكل واضح. استخدامها كأداة إثبات وإسناد حقوق قد يكون أكثر فاعلية من استخدامها كمنتج تجاري.
الركيزة الرابعة هي دور المنصات. لا معنى لحماية الملكية الرقمية إذا لم تلتزم المنصات بسياسات واضحة للإزالة، ونظم تحقق عادلة، واستجابة سريعة للشكاوى. هنا يظهر دور الدولة مرة أخرى، ليس في الرقابة على المحتوى، بل في إلزام المنصات العاملة محليًا بمعايير حماية عادلة للمبدعين.
والركيزة الخامسة، وربما الأهم، هي وعي المبدع نفسه. كثير من حالات السطو تحدث لأن المبدع لم يوثّق، لم يحتفظ بالأصول، أو نشر دون أي شروط. محو الأمية الرقمية لا يكتمل دون محو الأمية الحقوقية. حماية الإبداع تبدأ من السلوك اليومي، لا من قاعة المحكمة.
الملكية الرقمية ليست ترفًا فكريًا، بل شرط أساسي لاقتصاد رقمي مستدام. بدونها، يتحول الإبداع إلى استنزاف، ويتحول المنتج المحلي إلى مادة خام مجانية للأسواق العالمية. ومعها، يصبح الإبداع أصلًا اقتصاديًا يمكن البناء عليه، الاستثمار فيه، وتطويره.
بهذا المقال، نكون قد أكملنا مرحلة التمكين الإنتاجي. انتقلنا من مواطن واعٍ إلى مواطن منتج، ثم إلى مواطن يعرف كيف يحمي إنتاجه وحقوقه. هذه ليست نهاية السلسلة، بل نقطة انتقال جديدة.
المرحلة القادمة ستتناول الاندماج في المنظومة الرقمية: التمويل، الشمول المالي، والمواطنة الرقمية المنتجة. لأن الإبداع المحمي يحتاج بيئة اقتصادية وقانونية متكاملة ليزدهر، لا ليبقى مجهودًا فرديًا معزولًا.
في العالم الرقمي، من لا يحمي إنتاجه، يخسر صوته. ومن يبني منظومة حماية عادلة، يبني اقتصادًا قادرًا على الاستمرار.
*الخبير في مجال الأعمال الالكترونية




