
رقمنة
*الأستاذ الدكتور أحمد غندور
مع مضي الاردن في عملية التحول الرقمي في معظم القطاعات، يبرز القطاع التعليمي كقطاع اساسي وحيوي يحتاج الى الرقمنة ومشاريع تحول رقمي، منها ما قامت الحكومة باطلاقه خلال العام الماضي من مشاريع وبرامج تقنية لخدمة العملية التعليمية والتربوية ، ابرزها تطبيق ” سراج” الذي ارى فيه نقطة تحول في فلسفة التعليم نفسها، وليس مجرد تحديثا تقنيا عابرا.
باطلاق ” سراج” دخل الذكاء الاصطناعي الصف الدراسي بوصفه شريكا في التعلم لا مجرد أداة مساعدة، وهذا الدخول يحمل فرصة حقيقية لكنه يفرض مسؤولية مضاعفة.
سراج جاء ضمن رؤية وطنية للتحول الرقمي في التعليم.
تحسين جودة المخرجات. دعم المعلم. تنمية التفكير النقدي. توسيع التعلم المخصص.
الأرقام تؤكد أن المشروع تجاوز مرحلة التجريب.
أكثر من مئتي ألف مستخدم وأكثر من مليون محادثة تعليمية تعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من التجربة اليومية للطالب والمعلم.
لكن كل تحول عميق يرافقه سؤال أعمق.
سراج يعتمد على نماذج ذكاء اصطناعي طورتها شركات عالمية مثل OpenAI.
هذه النماذج لا تعمل في فراغ.
هي نتاج تراكم معرفي وثقافي وسردي تشكل في سياق حضاري محدد.
هذا ليس اتهاما ولا تشكيكا.
هذه حقيقة تقنية.
في العلوم والرياضيات والتخصصات التقنية تقل الحساسية.
المعرفة هناك معيارية.
النتائج قابلة للتحقق.
الذكاء الاصطناعي يعزز الفهم ويختصر الزمن ويدعم الفروق الفردية.
هنا تكون الفائدة صافية تقريبا.
لكن المشهد يتغير في الدراسات الاجتماعية والتاريخ والثقافة واللغة.
في هذه المواد لا ننقل معلومات فقط.
نصوغ وعيا.
نرسم هوية.
نبني تصورا عن الذات والآخر والمجتمع.
أي انحياز معرفي هنا يترك أثرا طويل الأمد.
المشكلة لا تكمن في سراج.
ولا في الذكاء الاصطناعي.
المشكلة تظهر حين نستخدم أداة قوية دون إطار معرفي حاكم.
الذكاء الاصطناعي يملأ الفراغ تلقائيا.
إن لم نحدد نحن المرجعية فستفرض الخوارزمية مرجعيتها.
ضمان الاستفادة القصوى يبدأ من الحوكمة التربوية.
هناك معرفة لا يجوز تفويضها للآلة.
القيم. السرد الوطني. الخصوصية الثقافية.
هذه يجب أن تبقى تحت إشراف بشري واع.
دور المعلم هنا لا يتراجع بل يتغير.
المعلم يصبح موجها للسياق لا ناقلا للمعلومة.
يكشف الانحياز. يصحح الإطار. يعيد السؤال إلى مكانه الصحيح.
الذكاء الاصطناعي يخدم العملية التعليمية ولا يقودها.
الحل أيضا في إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط.
إن أردنا أن يعكس الذكاء الاصطناعي واقعنا فعلينا أن نغذيه بمحتوى عربي محلي رصين.
المحتوى هو الذي يشكل سلوك النظام.
والطالب نفسه يجب أن يتعلم كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوعي.
كيف يسأل. كيف يشك. كيف يتحقق.
هذه مهارة مواطنة رقمية أساسية وليست ترفا تعليميا.
سراج فرصة وطنية حقيقية.
إما أن نحوله إلى رافعة للنهضة المعرفية.
أو نتركه يعمل دون بوصلة فيعيد تشكيل الوعي من حيث لا نشعر.
السؤال ليس هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في التعليم.
السؤال كيف نستخدمه.
ومن يضبطه.
ولأي غاية.
*خبير في مجال الاعمال الالكترونية




