
رقمنة
*يزن الزامل
في منطقتنا العربية، حيث تشكل ندرة المياه والاعتماد الكبير على استيراد الطاقة تحديين مستمرين، لم تعد الاستدامة مجرد مفهوم بيئي يُطرح في المؤتمرات الدولية. بالنسبة لنا، هي قضية اقتصادية وتنموية تمس مستقبل مدننا وأمننا الطاقي.
الواقع أن مدننا تنمو بسرعة كبيرة، ومع هذا النمو يزداد الضغط على البنية التحتية والموارد الطبيعية. لذلك لم يعد السؤال: هل نحتاج إلى حلول مستدامة؟ بل أصبح: كيف يمكننا تطبيق هذه الحلول بشكل عملي وفعال؟
هنا يأتي دور الهندسة الحديثة، التي لم تعد تقتصر على التصميم والبناء، بل أصبحت مجالاً يدمج بين تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وصناعة السياسات العامة لإيجاد حلول واقعية للتحديات البيئية والاقتصادية. مع تطور أدوات تحليل البيانات والنمذجة، أصبح بإمكان المهندسين اليوم دراسة أداء المباني وأنظمة الطاقة قبل تنفيذها بسنوات. فعلى سبيل المثال، يمكن محاكاة استهلاك الطاقة لمبنى كامل خلال دورة حياته، ومعرفة كيف سيؤثر نوع العزل أو نظام التكييف أو حتى اتجاه النوافذ على استهلاك الطاقة. هذه القدرة على التنبؤ تساعد على اتخاذ قرارات تصميمية أفضل منذ البداية، وتجنب الكثير من الهدر لاحقاً.
المباني: من استهلاك الطاقة إلى كفاءة الطاقة
تُعد المباني من أكبر مصادر استهلاك الطاقة في العالم. وتشير التقديرات العالمية إلى أن قطاع المباني مسؤول عن نسبة كبيرة من استهلاك الكهرباء والانبعاثات المرتبطة بها. في كثير من المدن، لا يعود هذا الاستهلاك المرتفع إلى سوء النية بقدر ما يعود إلى أن معظم المباني بُنيت قبل انتشار معايير الكفاءة الحديثة. لذلك فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في بناء مبانٍ جديدة أكثر كفاءة، بل في تحسين أداء المباني القائمة.
أحد الحلول المهمة هو ما يعرف بالتحديث الطاقي العميق للمباني (Deep Energy Retrofit). هذا النوع من التحديث قد يشمل تحسين العزل الحراري، واستبدال أنظمة التكييف القديمة، وتركيب نوافذ أكثر كفاءة، إضافة إلى دمج الطاقة المتجددة. وباستخدام أدوات نمذجة الطاقة مثل EnergyPlus وHOT2000، يمكن للمهندسين اختبار سيناريوهات مختلفة قبل تنفيذها. على سبيل المثال، يمكن مقارنة تأثير تحسين العزل فقط مقابل تحسين العزل مع استبدال نظام التكييف، أو إضافة الألواح الشمسية. في بعض الحالات، أظهرت هذه التحليلات أن حزمة التحديث المناسبة يمكن أن تقلل استهلاك الطاقة في المبنى بنسبة تصل إلى نحو 28%.
لكن التجربة العملية كشفت أيضاً عن ظاهرة تُعرف بـ”فجوة الأداء”، حيث يختلف الأداء الفعلي للمبنى بعد تشغيله عن الأداء المتوقع في مرحلة التصميم. قد يحدث ذلك بسبب سلوك المستخدمين، أو طريقة تشغيل الأنظمة، أو حتى ظروف المناخ الفعلية. لهذا السبب أصبح تقييم استهلاك الطاقة المستمر أداة مهمة لفهم كيفية استخدام الطاقة فعلياً داخل المباني. من خلال تحليل بيانات الاستهلاك باستخدام أدوات مثل أدوات الذكاء الاصطناعي، يمكن بناء نموذج رقمي للمبنى وتحليل أنماط الاستهلاك اليومية أو الموسمية. هذه البيانات تساعد على تحديد أماكن الهدر، مثل أنظمة التكييف التي تعمل لساعات أطول من اللازم أو سوء توزيع الهواء داخل الشقق.
النتيجة لا تقتصر على تقليل فواتير الطاقة فحسب، بل تشمل أيضاً تحسين جودة البيئة الداخلية، مثل درجة الحرارة والتهوية وجودة الهواء داخل المباني السكنية.
الطاقة ا ودعم المجتمعات النائية
رغم التقدم الكبير في البنية التحتية للطاقة في كثير من الدول، لا تزال بعض المجتمعات، خصوصاً في مناطق ريفية أو نائية، تعاني من نقص في الوصول إلى الكهرباء ومصادر الطاقة.
في هذه الحالات، غالباً ما يعتمد السكان على مولدات الديزل، وهي مكلفة وصاخبة وتسبب تلوثاً بيئياً. لذلك ظهرت أنظمة الطاقة المتجددة اللامركزية كأحد الحلول العملية. على سبيل المثال، يمكن لنظام طاقة شمسية صغير أن يوفر الكهرباء لمنزل أو لمجموعة من المنازل أو حتى لمدرسة أو مركز صحي في منطقة نائية. ومع انخفاض تكلفة الألواح الشمسية والبطاريات في السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الأنظمة أكثر انتشاراً.
لكن نجاح هذه الحلول لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل أيضاً على مشاركة المجتمع المحلي في إدارتها. عندما يتمكن السكان من متابعة إنتاج الطاقة واستهلاكها من خلال لوحات بيانات بسيطة أو تطبيقات رقمية، يصبح لديهم وعي أكبر بكيفية إدارة مواردهم. في بعض المشاريع، أظهرت هذه الأدوات أن معرفة السكان بكمية الطاقة المنتجة يومياً ساعدتهم على تنظيم استخدام الأجهزة الكهربائية، ما أدى إلى تحسين استقرار النظام وتقليل الأعطال.
الذكاء الاصطناعي وجودة الهواء في المدن
الاستدامة في المدن لا تتعلق بالطاقة فقط، بل تشمل أيضاً جودة الهواء والصحة العامة. مع ازدياد الكثافة السكانية وازدحام الطرق في المدن، أصبح التلوث الهوائي أحد التحديات الصحية المهمة. لكن قياس هذا التلوث بدقة على مستوى الشوارع كان دائماً أمراً صعباً بسبب محدودية أجهزة القياس.
هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي. فالتطورات في مجال الرؤية الحاسوبية تسمح اليوم باستخدام صور الشوارع والبيانات المرورية للتنبؤ بمستويات التلوث في مناطق مختلفة من المدينة، وقد عملتُ على أحد المشاريع البحثية التي تناولت هذا الموضوع. على سبيل المثال، يمكن لخوارزميات التعلم الآلي تحليل صور لحركة المرور وكثافة المباني والمساحات الخضراء، ثم ربط هذه البيانات بقياسات جودة الهواء. النتيجة هي إنشاء خرائط أكثر دقة لتوزيع التلوث داخل المدن. هذه المعلومات يمكن أن تساعد صناع القرار على اتخاذ إجراءات عملية، مثل تحسين تنظيم حركة المرور في مناطق معينة، أو تحديد الأماكن التي تحتاج إلى مساحات خضراء إضافية.
أهمية السياسات في نجاح الحلول التقنية
رغم أهمية الابتكار التقني، إلا أن نجاح أي حل هندسي يعتمد أيضاً على وجود سياسات داعمة. في كثير من الحالات، قد تكون القوانين أو الأنظمة العقارية عائقاً أمام تنفيذ مشاريع كفاءة الطاقة في المباني. على سبيل المثال، قد يواجه مالكو الشقق في بعض المباني صعوبة في اتخاذ قرار جماعي لتمويل تحديثات الطاقة، حتى لو كانت هذه التحديثات ستوفر المال على المدى الطويل.
لهذا السبب أصبح من المهم أن يعمل المهندسون مع صناع السياسات لفهم هذه التحديات واقتراح حلول عملية. تحليل الجدوى الاقتصادية لمشاريع الطاقة، مثل حساب العائد على الاستثمار أو فترة استرداد التكلفة، يمكن أن يساعد الحكومات والمستثمرين على تصميم برامج دعم أو حوافز مالية تشجع على الاستثمار في الطاقة النظيفة.
الاستثمار في الإنسان قبل التكنولوجيا
في النهاية، تبقى التكنولوجيا مجرد أداة. نجاح التحول نحو الاستدامة يعتمد بالدرجة الأولى على الاستثمار في الإنسان. في منطقتنا، حيث يواجه كثير من الشباب تحديات في الوصول إلى التعليم وفرص العمل، يصبح تمكينهم بالمهارات المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة النظيفة وتحليل البيانات خطوة أساسية لبناء اقتصاد أكثر استدامة.
البرامج التعليمية والمبادرات المجتمعية التي تركز على تطوير هذه المهارات يمكن أن تفتح فرصاً جديدة للشباب، سواء في مجالات الهندسة والطاقة أو في مجالات تحليل البيانات والتقنيات الرقمية. كما أن هذه المبادرات تسهم في بناء جيل قادر على تطوير حلول تناسب احتياجات المنطقة، بدلاً من الاعتماد الكامل على الحلول المستوردة من الخارج.
يمثل دمج الذكاء الاصطناعي مع الهندسة وأنظمة الطاقة فرصة مهمة لتحسين كفاءة المدن وإدارة الموارد بشكل أفضل. ومع توفر البيانات والأدوات التحليلية المتقدمة، أصبح من الممكن تصميم حلول أكثر دقة وفعالية للتحديات البيئية والاقتصادية.
لكن تحقيق هذا التحول يتطلب أيضاً تعاوناً بين المهندسين وصناع السياسات والمجتمع، إضافة إلى الاستثمار في التعليم وبناء القدرات البشرية. فالمستقبل المستدام لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل على قدرتنا على استخدامها بطريقة مسؤولة تخدم الإنسان والبيئة معاً.
*يزن الزامل مهندس وباحث يعمل في مجالات سياسات الطاقة وكفاءة المباني وتحليل البيانات بتوظيف الذكاء الاصطناعي. شارك في أبحاث ومشاريع تتعلق بتقييم أداء المباني وتحسين كفاءتها الطاقية، كما عمل على مبادرات تهدف إلى توسيع الوصول إلى الطاقة المتجددة ودعم التعليم وتمكين الشباب في الأماكن النائية.




