
رقمنة
*الاستاذ الدكتور احمد غندور
قرار تشكيل لجنة وطنية لحماية الأطفال واليافعين من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي الذي اصدرته الحكومة مؤخرا يمثل انتقالًا من خطاب التوعية العامة إلى تدخل تنظيمي مباشر في البيئة الرقمية.
بهذا القرار انتقلت الحكومة من نصائح الاستخدام الآمن إلى دراسة أدوات ضبط الوصول ونماذج تحقق عمري وترتيبات إلزامية على مزودي الخدمة والمنصات. هذا التحول يعترف بأن الخطر الرقمي لم يعد حالة فردية بل نمطًا متكررًا يرتبط بطريقة الاستخدام واتخاذ القرار تحت الضغط.
مجلس الوزراء ربط الحماية الرقمية بثلاثة مسارات تنفيذ مترابطة. مسار تنظيمي تقني يركز على تقييد الوصول ونماذج تحقق العمر وأدوار مزودي الإنترنت والمنصات وتقييم الكلفة والقابلية الفنية ضمن الإطار القانوني. مسار تربوي يدمج السلامة الرقمية والاستخدام الواعي داخل التعليم بشكل منهجي. مسار مجتمعي إعلامي يقود حملات توعية وطنية مستمرة تستهدف الأطفال واليافعين وأولياء الأمور والمجتمع. هذا البناء يعالج مصدر الخطر الفعلي. الضرر الرقمي يبدأ غالبًا من سلوك خاطئ عند النقر أو المشاركة أو الثقة السريعة.
إشراك جهة تنظيم الاتصالات وشركات الاتصالات والأمن السيبراني ووزارات التربية والتنمية الاجتماعية والأمن العام يعطي المقاربة طابعًا تكامليًا. تقني وتربوي وسلوكي في نفس الوقت. الخطر لا ينتج من المنصة وحدها. ينتج من تفاعل المستخدم معها. رابط احتيالي. طلب بيانات. تواصل غير آمن. محتوى مضلل. مخرجات ذكاء اصطناعي غير دقيقة. القرار الفردي هنا هو نقطة التحول.
المقارنات المرجعية مع الدول الأخرى تظهر اتجاهًا واضحًا. تشريعات حديثة في بريطانيا والاتحاد الأوروبي تفرض على المنصات حماية مناسبة للعمر وتقليل المخاطر على القاصرين وقيودًا على ميزات عالية الخطورة. تحقق العمر أصبح أداة تنظيم رئيسية. تقارير دولية في سياسات الاقتصاد الرقمي توضح أن ضمان العمر مهم لكنه لا يكفي وحده. المنع يقلل الدخول غير المناسب. لا يضمن السلوك الآمن بعد الدخول.
الحل العملي المكمل يقوم على الجمع بين تحقق العمر والرخصة السلوكية الرقمية. تحقق العمر يحدد من يدخل وما الذي يفتح له. الرخصة السلوكية تضبط كيفية التصرف بعد الدخول. هذا ينقل السياسة من منطق الحجب إلى منطق بناء القدرة القابلة للقياس.
الرخصة السلوكية المقترحة هي الرخصة الدولية للقيادة الرقمية التي يقوم بتطويرها البروفيسور أحمد غندور. هذه الرخصة ليست أداة لحماية الأطفال فقط. هي المستوى الأول في منظومة إعداد المواطن الرقمي ومحو الأمية الرقمية. تمثل خط أساس لكل مواطن لإثبات الحد الأدنى من السلوك الرقمي الآمن والمسؤول. يمكن اعتمادها كمتطلب وطني عام ثم بناء مستويات أعلى لفئات عمرية ومهنية مختلفة.
النموذج يعمل بطبقتين. طبقة عمرية تضبط الدخول وصلاحيات الميزات. فئات أصغر سنًا تمنع من ميزات مثل الرسائل الخاصة والبث المباشر والشراء والتفاعل المفتوح. طبقة ثانية هي رخصة القيادة الرقمية السلوكية. المستخدم يمر عبر اختبارات محاكاة تفاعلية. رسائل تصيد. روابط احتيال. طلبات مشاركة بيانات. ابتزاز. محتوى مضلل. إعدادات خصوصية. مخرجات ذكاء اصطناعي تحتاج تحقق. النظام يقيس القرار والزمن والاستجابة. النتيجة مستوى سلوك لا رصيد معلومات.
التنفيذ الوطني يحتاج توزيع أدوار واضح. وزارة التربية تدير منصة الرخصة الرقمية وبنك السيناريوهات والتقييم المركزي وتفرض اختبارًا عمليًا. المدارس تنفذ التدريب. الاختبار يتم على منصة وطنية موحدة. وحدة الجرائم الإلكترونية تعتمد المعيار وتراقب الجودة وتمنع التلاعب وتغذي السيناريوهات بأنماط الخطر الواقعية. جهة تنظيم الاتصالات تربط مستويات الرخصة بصلاحيات رقمية بالتنسيق مع مزودي الخدمة والمنصات. الأسرة ترى مستوى المستخدم وصلاحياته بوضوح.
بهذا التصميم تتحقق نتائج قابلة للقياس. انخفاض الحوادث الرقمية بين القاصرين. ارتفاع القدرة السلوكية المثبتة لدى المستخدمين. انتقال المجتمع من أمية رقمية إلى مواطنة رقمية منظمة. تحقق العمر يقلل التعرض غير المناسب. الرخصة الدولية للقيادة الرقمية تقلل الضرر بعد الدخول. المستوى الأول منها يصبح متطلبًا لكل مواطن لأنه يضع حدًا أدنى للسلوك الآمن ويخلق معيارًا وطنيًا مشتركًا.
*الخبير في مجال الاعمال الالكترونية



