
رقمنة
*أحمد غندور
في مقال سابق تحدثنا فيه عن الوكالة الرقمية وكيف تعيد تشكيل مفهوم العمل داخل المؤسسات. وفي هذا المقال نتابع، حيث إن الانتقال إلى منظمة وكالة رقمية لا يتحقق بقرار إداري أو بشراء تقنيات متقدمة، بل عبر رحلة نضج واضحة تمر بثلاث مراحل أساسية تشكل خارطة طريق عملية للمؤسسات العربية.
المؤسسة في مرحلة الجاهزية الرقمية تبدأ ببناء الأساس، تراجع واقعها التقني، توحد أدواتها، وتؤمن بيئتها، وتؤهل موظفيها بالمهارات الرقمية الأساسية. الهدف هنا هو الاستخدام الآمن والفعال للتكنولوجيا وتأسيس ثقافة واعية بالبيانات والأمن السيبراني. في عالمنا العربي، هذه الخطوة تحتاج إلى مواءمة مع البنى الوطنية مثل بوابات الهوية الرقمية ومنظومات الخدمات الحكومية، لضمان انسجام المستويات الفردية والمؤسسية مع البنية الوطنية.
بعد ذلك تأتي مرحلة محو الأمية الإنتاجية، حيث تنتقل المؤسسة من الاستخدام إلى الإنتاج. هنا يبدأ الموظفون في تصميم حلول رقمية، وإنتاج محتوى، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحسين العمل لا لمشاهدته فقط. تظهر ثقافة جديدة تشجع التفكير التصميمي والتجربة والابتكار، وتتحول المهارات الرقمية من “تشغيل الأدوات” إلى “خلق القيمة”. هذه المرحلة تتطلب برامج تدريبية حديثة مثل إطار الرخصة الدولية للقيادة الرقمية (IDDL) الذي يركز على المهارة الرقمية، الوعي الأمني، والكفاءة في الذكاء الاصطناعي.
ثم تصل المؤسسة إلى مرحلة الاندماج المؤسسي، حيث تصبح التقنيات جزءًا عضويًا من الهيكل، وتنتقل الحوكمة من وثائق وإجراءات إلى أنظمة تعمل في الزمن الحقيقي. يعمل الإنسان مع وكلاء رقميين يتخذون القرارات التشغيلية ويحللون البيانات بعمق. في هذه اللحظة تصبح الفاعلية أهم من الكفاءة، ويصبح الابتكار المستمر شرطًا للبقاء وليس ميزة اختيارية.
عند اكتمال هذه المراحل، تصل المؤسسة إلى نقطة الوكالة الرقمية، حيث تتصرف كوحدة ذكية ذاتية التنظيم يقودها الإنسان وتديرها الأنظمة المؤتمتة المتكاملة. هذه ليست أتمتة فقط، بل تعاون واعٍ بين الإنسان والآلة.
البدء سهل إن عرفنا الطريق: تقييم مستوى النضج، تحديد الفجوات، تطوير القدرات الرقمية، بناء حالات استخدام صغيرة للذكاء الاصطناعي، ثم التوسع التدريجي ضمن إطار حوكمة واضح.
الوكالة الرقمية ليست مشروعًا تقنيًا، بل تحول قيادي، ثقافي، ومؤسسي يمهد لمستقبل تعمل فيه العقول البشرية والاصطناعية جنبًا إلى جنب لصناعة قيمة أعلى وتأثير أعمق.
*الخبير في تخصص الأعمال الالكترونية




