
رقمنة
*أ.د أحمد غندور
سعدت عندما قرات عن إطلاق منهاج “المهارات الرقمية” للمدارس في الأردن. أخيرًا، بدأنا نواكب الثورة الرقمية ونستعد لأجيال قادرة على التعامل مع البرمجة، الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات. لكن سرعان ما تحولت هذه الفرحة إلى صدمة، عندما اكتشفت أن هذا المنهاج طُرح دون وجود إطار وطني واضح يحدد فلسفته، مراحله، ومعايير قياسه.
اعتماد أطر دولية مثل ISTE أو DigComp خطوة مهمة، لكنها تظل ناقصة إذا أُسقطت كما هي على بيئتنا التعليمية دون تكييف حقيقي. نحن نختلف في بنيتنا التحتية، جاهزية معلمينا، وحتى في أولوياتنا الاقتصادية. ما جدوى تعليم الذكاء الاصطناعي لطلبة لا يجدون اتصالًا ثابتًا بالإنترنت؟ وما قيمة البرمجة إن لم ترتبط بحل مشكلات واقعية في المجتمع الأردني؟
في الدول الأخرى، تطوير مناهج المهارات الرقمية لا يجري بعشوائية، بل يمر بمراحل منهجية تشترك فيها جهات حكومية، أكاديمية، وخبراء الصناعة. هذه العملية تبدأ بإنشاء إطار وطني مرجعي، يُبنى عليه المنهاج الدراسي، مع الاستفادة من الأطر الدولية وتكييفها مع البيئة المحلية. هذه الأطر تحدد ما يجب أن يتعلمه الطالب في كل مرحلة، وتربط التعليم بخطط التحول الرقمي والاقتصاد الوطني.
لماذا نحتاج إطارًا وطنيًا؟
1. توحيد الرؤية: الإطار يحدد بوضوح معنى “المهارات الرقمية” ويميزها عن مادة الحاسوب التقليدية، ويمنع التفسيرات الفردية من قبل المؤلفين والمعلمين.
2. مواءمة السياق الأردني: المعايير الدولية لا تعكس تحدياتنا المحلية مثل ضعف البنية التحتية أو تفاوت الموارد بين المدارس. الإطار الوطني يكيّف هذه المعايير مع واقعنا.
3. ربط التعليم بسوق العمل: الإطار يضمن أن المهارات المكتسبة تتوافق مع متطلبات الاقتصاد الرقمي الأردني.
4. إرساء أسس التقييم الوطني: بدون إطار، لن تكون هناك أدوات موحدة لقياس مستوى الطلبة أو تدريب المعلمين بفعالية.
5. إدارة التطوير المستقبلي: التكنولوجيا تتغير بسرعة، والإطار يتيح تحديث المناهج بشكل منظم بدلًا من القرارات الارتجالية.
ما الذي يجب أن يتضمنه الإطار الوطني؟
تعريفًا واضحًا للمهارات الرقمية الوطنية يشمل: التفكير الحاسوبي، البرمجة، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الإبداع الرقمي، والتعلم الذاتي.
مصفوفة معايير واضحة لكل مرحلة دراسية من الصف الأول حتى الثاني عشر.
آليات تقييم وطنية دقيقة لقياس مستوى الطلبة.
خطة تدريب شاملة للمعلمين ترتبط بمستويات الإطار.
آليات مواءمة مدروسة مع الأطر الدولية بعد تكييفها.
ربط مباشر بخطط التحول الرقمي الوطنية لدعم الاقتصاد الرقمي الأردني.
وأقترح نموذجًا عمليًا لإطار وطني للمهارات الرقمية يقوم على سبعة أعمدة:
1. التشغيل الرقمي واستخدام الأجهزة.
2. التفكير الحاسوبي والبرمجة.
3. الأمن السيبراني والمسؤولية الرقمية.
4. تحليل البيانات وإنترنت الأشياء.
5. الذكاء الاصطناعي.
6. الإبداع والإنتاج الرقمي.
7. التعلم الذاتي الرقمي.
ويُوزع هذا الإطار على مراحل متدرجة:
الصفوف 1–3: المهارات الرقمية الأساسية والوعي الرقمي المبسط.
الصفوف 4–6: البرمجة المرئية والمشاريع التفاعلية.
الصفوف 7–9: البرمجة وتحليل البيانات.
الصفوف 10–12: الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني التطبيقي.
هذا الإطار يجب أن يشمل تدريبًا تصاعديًا للمعلمين، مع آليات تقييم وطنية تشمل الاختبارات الرقمية، المشاريع العملية، وملفات الإنجاز.
إذا أردنا أن يكون منهاج “المهارات الرقمية” خطوة استراتيجية حقيقية، فعلينا أن نؤسس له بإطار وطني يضبط مساره.
لا نريد مناهج منقولة، بل مناهج مصممة للأردن، تعكس واقعه وتستجيب لطموحاته. بدون هذا الإطار، نخاطر بأن يتحول المشروع إلى خطوة شكلية بدل أن يكون قفزة استراتيجية تضع أبناءنا في قلب المستقبل الرقمي لا في هامشه.