مقالات

الخبير الإستراتيجي والتطوير المؤسسي محمد صالح يكتب لـ ” رقمنة” …. سيكولوجية الانبهار التقني

رقمنة

*محمد صالح

هل سبق أن راودك هذا الشعور، وأنت تتابع أحد المؤتمرات السنوية لشركات التقنية، بأن المدير التنفيذي الذي يخاطبك لا يقدّم لك منتجًا جديدًا بقدر ما يمارس عليك نوعًا من التنويم الخطابي؟ أن الكلمات المختارة بعناية، والإيقاع المدروس للعرض، والصور البراقة، كلها تعمل لتدفعك إلى الاقتناع بأن ما بين يديك أصبح فجأة قديمًا، وأن ما يُعرض أمامك هو ضرورة لا رفاهية؟ هل تساءلت يومًا إن كنت فعلًا بحاجة إلى هذا التحديث، أم أنك تُقاد، بمهارة عالية، إلى الرغبة فيه؟

لسنوات طويلة، تابعت بشغف مؤتمرات شركات التقنية العالمية، تلك العروض شبه السنوية التي كانت تُقدَّم بوصفها لحظات تاريخية فاصلة في مسار البشرية الرقمي. كان المديرون التنفيذيون يعتلون المنصات بنبرة المنتصر الذي عاد من المعركة حاملاً الغنيمة الأخيرة، ويتحدثون عن أجهزتهم وبرامجهم كما لو أنهم أمسكوا المستقبل من عنقه أخيرًا.

في كل مرة كان المشهد ذاته يتكرر، لغة احتفالية، ووعود كبرى، ومفردات محسوبة بعناية لتوحي بأن ما نشهده ليس مجرد تحديث جديد، بل اكتمال نهائي لفكرة ظلت البشرية تطاردها طويلًا. وكان اللافت في هذه العروض ليس فقط الحماسة المفرطة في تمجيد الجديد، بل ذلك النسيان الانتقائي لكل ما قيل قبل عام واحد فقط عن النسخة السابقة، التي كانت هي الأخرى، وفق الخطاب ذاته، القفزة الأهم والأكثر نضجًا والأقرب إلى الكمال. ثم لا يلبث الزمن أن يدور دورة قصيرة حتى تصبح تحفة الأمس مادة قديمة لا بد لنا من تجاوزها، لا لأن احتياجاتنا تغيّرت، بل لأن السوق يحتاج إلى المزيد من المبيعات.

نعم، لا يمكن إنكار أن بعض التحولات التقنية الحقيقية كانت تقع كل بضع سنوات، وأن ثمة ابتكارات نوعية غيّرت فعلاً طرائق العمل والاتصال والإنتاج، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أعمق وأكثر ثباتًا ألا وهي أن الشركات تناضل لبيعك وهم الكمال كل سنة، بينما الحقيقة أن كل نسخة هي اعتراف ضمني بأن السابقة كانت ناقصة، وعليه لربما يجب علينا أن لا نقدّس أي منتج، بل نقيّمه بعين نقدية.

هذه الحقيقة لا تنتمي فقط إلى عالم التسويق، بل إلى طبيعة التكنولوجيا ذاتها. فالتقنية، مهما بلغت من التطور، ليست كيانًا مكتملًا، بل مشروعًا مفتوحًا على النقص والتحسين والاستدراك. كل جهاز جديد، وكل نظام تشغيل، وكل خدمة رقمية، هو في جوهره صيغة مؤقتة لحل مؤقت، سرعان ما تكشف الممارسة اليومية حدوده ومواطن ضعفه. ولذلك فإن الادعاء الضمني بالكمال الذي يرافق إطلاق المنتجات ليس سوى مبالغة مقصودة تهدف إلى تحويل فعل الشراء من قرار عقلاني إلى نوع من الانتماء النفسي والرمزي. هنا تتجاوز العلاقة بين المستهلك والمنتج حدود المنفعة، لتدخل في مساحة الهوية؛ فيصبح الهاتف أو الحاسوب أو السيارة الذكية امتدادًا لصورة الفرد عن نفسه، ويغدو نقد المنتج، في وعي بعض المتحمسين، نقدًا شخصيًا لهم هم أنفسهم.

ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ الخلل الثقافي الذي يحيط بعالم التقنية المعاصر. فبدل أن يتعامل الجمهور مع المنتجات بوصفها أدوات قابلة للتقييم والمقارنة والنقد، ينزلق جزء منه إلى ما يشبه الولاء العاطفي للعلامة التجارية. وتغذي الشركات هذا الميل بذكاء، حين تبني حول منتجاتها سرديات تتعلق بالتميز والحداثة والتصميم والخصوصية والمكانة، بحيث لا يعود اقتناء المنتج مجرد استخدام له، بل إعلانًا عن الذوق والوعي والانتماء إلى فئة معينة. وعندما تترسخ هذه العلاقة، يصبح النقاش حول المزايا والعيوب أكثر صعوبة، لأن العقل النقدي يتراجع أمام الحماسة الدفاعية.

لكن الموقف الأكثر نضجًا، مهنيًا وفكريًا، هو الاعتراف بأن النقد ليس نقيض الإعجاب، وأن الإقرار بحدود المنتج لا ينفي قيمته. يمكن لمنتج من شاومي أو أبل أو سامسونغ أو تسلا أو مايكروسوفت أو هواوي أو أونر أن يكون مهمًا ومفيدًا ومتفوقًا في جوانب كثيرة، ومع ذلك يظل عرضة للنقد الصارم وربما القاسي أيضًا. بل إن هذا النقد هو ما يحفظ للمستهلك استقلاله، ويحفظ للسوق قدرًا من التوازن، ويمنع الشركات من تحويل خطابها الترويجي إلى حقيقة غير قابلة للمساءلة. إن التقدم التقني نفسه لم ينشأ من التصفيق، بل من كشف العيوب، وتحديد القصور، ومراكمة الملاحظات، وإعادة التفكير فيما قُدِّم سابقًا على أنه نهائي.

لذلك، فإن التعامل الرشيد مع التكنولوجيا لا يبدأ بالانبهار والولاء، بل بالمسافة النقدية. ومن يراقب تاريخ المنتجات الرقمية يدرك بسهولة أن ما يُسوَّق اليوم على أنه الذروة، سيُعاد تعريفه غدًا بوصفه مجرد خطوة ناقصة على طريق أطول. ولهذا لا معنى لأن نتحسس من نقد شركة مفضلة، ولا أن نتعامل مع المراجعة الموضوعية كأنها إساءة شخصية. فالتكنولوجيا ليست عقيدة، والشركات ليست أوطانًا، والمنتجات ليست فوق المساءلة والنقد. وما دام النقص جزءًا من بنية الابتكار نفسها، فإن أكثر المواقف اتزانًا ليس التقديس، بل الفهم؛ وليس الانحياز الأعمى، بل التقييم الواعي؛ وليس ترديد بروباغندا الشركات، بل النظر إلى كل نسخة جديدة بوصفها وعدًا قابلًا للاختبار، لا حقيقة مكتملة منذ لحظة الإعلان.

*الخبير الإستراتيجي والتطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى