
رقمنة
*محمد صالح
في كل موجة مضاربات مالية هنالك قلة من الرابحين والكثير من الخاسرين، فما الذي يدفعنا باتجاهه أمثال ألتمان وماسك وأليسون في عصر الذكاء الاصطناعي؟ في خضم صراع الهيمنة على مستقبل الذكاء الاصطناعي تتضح صورة أكثر تعقيدًا من مجرد التعاطي مع تقنية ناشئة قد تعيد تشكيل وجه العالم نحو الأفضل، حيث يخفي هذا الصراع في زواياه المظلمة واحدة من أكثر الصور المتطرفة في التاريخ لإعادة توزيع الثروة والتربح دون انتاج حقيقي، حيث يتصاعد تركّز رأس المال في أيدي مجموعة صغيرة جدًا من أباطرة التكنولوجيا بينما تُلقى الكلفة الاجتماعية والوظيفية والبيئية على كاهل ملايين البشر دون عدالة حقيقية في توزيع المكاسب.
هنا، لم تعد ثورة الذكاء الاصطناعي مجرد مرحلة جديدة من الابتكار التقني، بل أصبحت في جزء منها آلية لإعادة هندسة توزيع الثروة والسلطة والموارد على نطاق عالمي. حيث من الملفت الطريقة التي تُحوِّل بها هذه الثورة مكاسبها إلى أعلى الهرم، وتدفع كلفتها إلى قاعدة الهرم الاجتماعي والبيئي. ففي اللحظة التي يُحتفى فيها بالذكاء الاصطناعي بوصفه وعدًا بتقدم إنساني شامل، تتكرّس في الواقع بنية اقتصادية أشد تركّزًا، وأكثر تفاوتًا، وأقل خضوعًا للمساءلة العامة.
يمكن قراءة هذه التحولات عبر مسارات متداخلة تجتمع في شخصيات وشركات بعينها. فصعود ثروة إيلون ماسك إلى مستويات غير مسبوقة قاربت 600 مليار دولار امريكي في أواخر عام 2025 لا يعكس فقط نجاحًا رياديًا، بل يكشف منطقًا جديدًا لتكوين الثروة قائمًا على المضاربة على المستقبل أكثر من الإنتاج الاجتماعي الراهن. فالجزء الأكبر من قفزة ثروته جاء من تضخم تقييمات شركاته المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات والطموحات الفضائية والقيادة الذاتية، أي أن جزءً كبيرًا منها جاء من رهانات سوقية على الهيمنة التقنية المقبلة لا من أرباح تشغيلية مستقرة اليوم. هنا يتحول الخيال التكنولوجي ذاته إلى أصل مالي، وتصبح الثروة الفردية مكافأة على الوعد بالسيطرة، لا على القيمة الملموسة التي تعود على المجتمع.
على مسار موازٍ تقف OpenAI بقيادة سام ألتمان كنموذج أكثر فجاجة لهذا المنطق. فالشركة التي لا تزال تخسر مليارات الدولارات سنويًا ويبدو أن منافساتها قد سبقوها فعلًا تقنيًا، جرى تقييمها ب 500 مليار دولار! لتصبح أغلى شركة خاصة في العالم. هذا التناقض الظاهر يفضح جوهر الاقتصاد الجديد فما يُشترى ليس الربح الحالي، بل الوعد بالقدرة على احتكار بنية الذكاء الاصطناعي المستقبلية. المستثمرون لا يقيمون OpenAI بوصفها مؤسسة إنتاجية تقليدية، بل كمنصة محتملة لإعادة تشكيل أسواق المعرفة، والعمل، والإدارة، والحكم. هكذا تُحوَّل السيطرة المتوقعة إلى ثروة حقيقية اليوم، فيما تُؤجَّل المخاطر والخسائر إلى الغد.
غير أن هذا السباق على السيطرة لا يمكن أن يبقى افتراضيًا؛ فهو يحتاج إلى جسد مادي ثقيل من الخوادم والكابلات والطاقة والمياه. هنا يبرز إلى جانب ألتمان أمثال لاري إليسون ودوره في الدفع نحو بناء مراكز بيانات عملاقة لشركة Oracle وغيرها، ممولًا ذلك بديون هائلة. هذه المراكز ليست مجرد منشآت تقنية محايدة، بل بنية تحتية شرهة للطاقة وعطشى للمياه، تُقام غالبًا قرب مدن ومجتمعات محلية تتحمل تبعاتها البيئية والاقتصادية. حيث ترتفع الضغوط على شبكات الكهرباء والمياه، وتزيد معدلات الضوضاء، وتتفاقم المخاطر البيئية، وتزداد كلفة المعيشة على السكان، بينما تتراكم الأرباح والقوة في أعلى السلسلة. في هذه اللحظة يتجلى التناقض الأخلاقي في أن ملايين البشر يدفعون ثمن الموارد التي تُسخَّر لتعزيز هيمنة قلة قليلة.
وتحت هذه الطبقة من المنصات والتطبيقات اللامعة تقف طبقة أعمق من الاحتكار يمثلها نموذج انفيديا بقيادة جينسن هوانغ. فالشركة لا تبيع تطبيقات ذكاء اصطناعي للمستهلكين، بل تمتلك المورد الأكثر حساسية في السلسلة بأكملها ألا وهي الرقائق المتقدمة التي لا يمكن تدريب أو تشغيل النماذج الكبرى من دونها. تعتمد على هذه الرقائق شركات مثل أوبن إيه أي ومايكروسوفت وميتا وأوراكل، بينما لم تنجُ من هذا الاعتماد سوى قلة قليلة جدًا مثل ألفابت (غوغل) أو هواوي التي طورت شرائحها الخاصة، وحتى مايكروسوفت تحاول التحرر عبر شرائحها الخاصة الآن. النتيجة أن أمثال انفيديا يربحون بنيويًا مهما تغيّرت موازين المنافسة بين المنصات؛ فحتى عندما تتصارع الشركات على التطبيقات والأسواق، يبقى المال يتدفق إلى الجهة التي تحتكر العتاد الأساسي، ولهذا يستبسل هوانغ في إقناع العالم بحتمية شراء بضاعته حتى لا يفوتنا المستقبل! بغض النظر عن حاجة العالم الحقيقية أو عدمها لهذا القدر من قوة الحوسبة.
وعندما ننظر إلى مايكروسوفت بقيادة ساتيا ناديلا وأمازون بقيادة جيف بيزوس، لا نحتاج إلى استدعاء خطاب السيادة أو الدولة لفهم دورهما؛ يكفي أن نرى كيف أصبحتا بوابتين مركزيتين لتدفقات رأس المال في عصر الذكاء الاصطناعي. فالشركتان ليستا مجرد مزوّدين تقنيين، بل منصتين ماليتين تقنيتين عملاقتين تتحكم كل منهما في جزء كبير من السوق السحابية التي تعتمد عليها الشركات الناشئة والمؤسسات والقطاعين العام والخاص على المستوى العالمي. هذا الموقع الوسيط يتيح لهما تحصيل إيجار رقمي على كل ابتكار تقريبًا، سواء عبر الاشتراكات أو رسوم الحوسبة أو الشراكات الاستثمارية مع شركات الذكاء الاصطناعي. هكذا يتراكم الربح في طبقة ضيقة من الوسطاء الكبار، بينما تبقى آلاف الشركات الصغيرة والعمال والمجتمعات في الطرف المتلقي للتكاليف والمنافسة غير المتكافئة.
ويزداد الأمر التباسًا حين تتكشف حيلة التمويل الدائري بين العملاقة، فمايكروسوفت تستثمر في أوبن إيه أي، وأوبن أيه أي تشتري خدمات السحابة من مايكروسوفت، وانفيديا تستثمر في اوبن أيه أي، لتقوم الثانية بشراء الشرائح من انفيديا بنفس القيمة! فتبدو السوق وكأنها مزدهرة بينما هي في الواقع تعيد تدوير المال داخل الدائرة نفسها. هكذا تتضخم فقاعة الذكاء الاصطناعي على الورق، ويُخدع العالم بوهْم النمو بينما الثروة تبقى محصورة داخل نادي ضيق من العمالقة.
ووسط هذا الصعود الفلكي للقلة، تتكشّف صورة أخرى أقل بريقًا أبطالها عشرات الآلاف من العاملين في قطاع التقنية يفقدون وظائفهم في موجات تسريح متتالية، بينما تُعاد هيكلة سوق العمل نحو وظائف أكثر هشاشة وأقل استقرارًا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، بينما استمر عمالقة التكنولوجيا في مراكمة الثروات والأرباح، أعلنت أمازون في كانون الثاني عن تسريح 16,000 موظف إضافي، واستمرت مايكروسوفت في عمليات تقليص تدريجية لكنها ضخمة، حيث وصل إجمالي المسرحين خلال عام 2025 وبداية 2026 إلى أكثر من 15,000 موظف، وفي كانون ثاني 2026، قامت ميتا بتسريح حوالي 1,500 موظف (ما يعادل 10%) من قسم Reality Labs.، ولم تحد جوجل عن الدرب خلال الأشهر الماضية إذ اتسم وضعها بما يسمى التسريحات الصامتة أو التغييرات الهيكلية العميقة، بدلاً من الإعلان عن رقم واحد ضخم في يوم واحد كما فعلت أمازون أو إنتل. لم يعد التهديد مقتصرًا على العمال اليدويين؛ بل يطال الطبقة المتوسطة المعرفية من مبرمجين ومحللين ومصممين وكتّاب ومتخصصين في الدعم والتسويق والخدمات. يُعاد توزيع القيمة صعودًا نحو المساهمين وأصحاب المنصات، بينما يُدفع العاملون إلى أطراف اقتصاد العمل الحر أو يُستبدَلون بخوارزميات تقلل الحاجة إليهم.
هكذا تتشكل دائرة مغلقة من ثروة تتضخم دفتريًا في أعلى الهرم، ووظائف تتآكل في الوسط، وموارد تُستنزف في أسفل الهرم. ليست المشكلة في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الطريقة التي أُدرج بها في نظام رأسمالي مستحدث من الاقطاع الرقمي يروّج للسيطرة بدل المنفعة العامة، ويتاجر بالوعد المستقبلي بدل الإنتاج الحقيقي، ويكافئ الاحتكار أكثر من تعزيز العدالة، ويحوّل البنية التحتية الرقمية إلى أداة قوة شبه سيادية. فإذا استمر هذا المسار بلا تنظيم صارم ولا سياسات تعيد توجيه الفوائد نحو الصالح العام، فإن الثورة التي وُعدنا بأنها ستُحرّر البشر قد تتحول إلى آلية جديدة لتعميق اللامساواة، وتجريد المجتمعات من مواردها، وترسيخ حكم قلة تقنية غير منتخبة على مصائر مليارات البشر.
*خبير استراتيجي وتطوير مؤسسي




