
رقمنة
*أريج اليوسف
“صباح الخير.” “بتقدري تطلعي قدام؟” “وين مسافرة؟” “ممكن أطفي التطبيق؟” “مش مرخص… خايف أتخالف.” “لقطتني الكاميرا.” “صوت القارورة بالطابون… مرتي طلبت مي.” “ممكن تدفعي قبل ما نوصل؟” “بصف، بس لقدام شوي.”
نادراً ما أستخدم تطبيقات النقل الذكية، لكن في إحدى المرات التي استخدمت فيها أحدها، وجدت نفسي أسمع كل هذه العبارات خلال رحلة واحدة. في البداية، قد تبدو هذه مجرد تفاصيل صغيرة تحدث خلال أي رحلة، لكن تتابعها جعلني أتساءل: إذا كان التطبيق يوصف بأنه “ذكي”، فأين يبدأ دور التكنولوجيا وأين تنتهي؟ هل يقتصر دور التطبيق على مطابقة الراكب مع السائق وتحديد الرحلة؟ أم أن الذكاء الحقيقي يجب أن يظهر في التجربة كاملة، من لحظة طلب السيارة إلى الوصول، وما بينهما؟ قد يكون التطبيق سريعًا وسهل الاستخدام ويعمل بكفاءة من الناحية التقنية، لكن التكنولوجيا لا تنتهي عند الشاشة. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يستخدمها الناس فعليًا، وفي ظروفهم المختلفة وهنا تظهر أحيانًا الفجوة بين التكنولوجيا التي صُممت لتسهيل الحياة، والتجربة التي يعيشها الإنسان. هذه التجربة لا تتعلق بالراكب وحده، فخلف كل رحلة سائق يحاول أن يكسب رزقه، ويعمل في ظروف اقتصادية قد لا تكون سهلة، وقد تكون لديه مخاوف أو أسئلة مرتبطة بالترخيص أو المخالفات أو الكاميرات أو غيرها من التفاصيل التي لا علاقة له بتصميمها أو بطريقة عمل التطبيق، لذلك، لا أرى أن السائق هو المشكلة، فهو أيضًا يتعامل مع نظام يفترض أن يسهّل عمله وحياته، كما يفترض أن يسهّل رحلة الراكب.
وهنا، برأيي، يبدأ السؤال الحقيقي: هل صُممت الخدمة لتعمل فقط من داخل التطبيق، أم لتنجح أيضًا عندما تخرج من الشاشة إلى الواقع؟ هل يعرف السائق والراكب ما لهما وما عليهما؟ وهل يستطيع التطبيق أن يتوقع المواقف التي قد تحدث أثناء الرحلة ويتعامل معها قبل أن تتحول إلى إرباك؟ وهل يشعر الطرفان أن التكنولوجيا تعمل لصالحهما، بدلًا من أن تضيف عبئًا جديدًا إلى الرحلة؟
تشير نتائج حديثة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في تقريرها Digital Government Outlook 2026، إلى أهمية أن يكون إشراك المستخدمين في تصميم الخدمات الرقمية عملية مستمرة، تشمل اختبار الخدمة ومراجعتها وتحسينها طوال دورة حياتها، وليس خطوة تتم مرة واحدة عند إطلاقها. ويشير التقرير إلى أن بعض المشكلات، مثل صعوبة التنقل داخل الخدمة أو عدم وضوح بعض الخطوات، قد لا تظهر إلا بعد استخدامها فعليًا إذا لم يكن اختبارها مع المستخدمين ممارسة منتظمة. وهذا يعيدنا إلى جوهر الفكرة: بعض التفاصيل لا يمكن اكتشافها من خلف شاشة التصميم أو من خلال اختبار تقني محدود؛ فهي تظهر عندما يستخدم الناس الخدمة بطريقتهم الحقيقية.
وهنا ربما تكمن المفارقة: قد ننجح في بناء تطبيق يعمل بكفاءة، ويؤدي وظيفته كما صُمم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا صممنا تجربة ناجحة. فالخدمة لا تُختبر فقط بما يحدث داخل التطبيق، وإنما بما يحدث بسببه وبعده، وبالأسئلة والمواقف التي يواجهها الناس أثناء استخدامها. وربما لهذا السبب، عندما نصف خدمة بأنها “ذكية”، علينا أن نكون أكثر دقة في تعريف ما نعنيه بالذكاء. هل يكفي أن تعرف التكنولوجيا أين السيارة وأين الراكب، وتنجز عملية الحجز والدفع؟ أم أن الذكاء الحقيقي يبدأ عندما تفهم احتياجات الطرفين، وتتوقع نقاط الإرباك، وتتعامل معها قبل أن تصبح مشكلة؟
في النهاية، قد لا يتذكر المستخدم كيف صُمم التطبيق أو ما التكنولوجيا التي يعمل بها. لكنه سيتذكر بالتأكيد إن كانت الرحلة واضحة وسهلة أم مليئة بالأسئلة، وإن كانت التكنولوجيا قد ساعدته أم جعلت عليه مهمة إضافية.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال: “هل التطبيق ذكي؟” بقدر ما هو: “هل صُممت التجربة بذكاء؟”.
* خبيرة في التنمية الدولية وريادة الاعمال




