
رقمنة
وسط تحديات غير مسبوقة يواجهها القطاع السياحي الأردني نتيجة الحرب الإقليمية الدائرة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي أدت إلى تراجع أعداد السياح وإلغاء الكثير من الحجوزات، تصدرت إجراءات الحكومة لدعم صمود المنشآت السياحية المشهد الاقتصادي.
وقد أعلنت الحكومة سلسلة من التدابير المالية والإعفاءات الضريبية والبرامج التحفيزية بهدف تمكين القطاع من مواجهة تداعيات الأزمة، وضمان استدامة فرص العاملين فيه، وحماية الاستثمارات القائمة.
وفي حين اعتبر مستثمرون وخبراء في القطاع السياحي هذه الخطوات إيجابية وضرورية في الظرف الراهن، شددوا على الحاجة إلى خطط استراتيجية طويلة المدى تعتمد على الابتكار والشراكات الإقليمية لتعزيز قدرة القطاع على التعافي بسرعة من الأزمات المستقبلية.
ورغم الإشادة الواسعة بالإجراءات الحكومية والتأكيد على أهميتها في الحد من الخسائر وتخفيف آثار الأزمة، طالب هؤلاء الخبراء بضرورة تطوير خطط إستراتيجية مبتكرة، تشمل إنشاء صندوق وطني لإدارة المخاطر في القطاع السياحي، وتفعيل شراكات إقليمية مع وجهات سياحية قريبة، وتطوير البنية التحتية للنقل السياحي، إلى جانب التركيز على تنويع المنتجات السياحية والأسواق المستهدفة، فضلا عن دعم تشجيع السياحة الداخلية، والتوسع في الإعفاءات من الرسوم والضرائب في حال طال أمد الحرب.
كما شددوا على أهمية تعزيز دور هيئة تنشيط السياحة في التسويق وإدارة الأعمال والاستثمار، لتكون جاهزة للتعامل مع أي صدمات مستقبلية، وضمان قدرة القطاع على التعافي بسرعة واستدامة نشاطه.
إجراءات حكومية
وقد قرر مجلس الوزراء في جلسته التي عقدها مطلع الأسبوع الحالي، برئاسة رئيس الوزراء جعفر حسان، الموافقة على أن تتحمل الحكومة الفوائد المترتبة على تمكين المنشآت العاملة في القطاع السياحي من الحصول على تسهيلات مالية لتغطية النفقات التشغيلية، خصوصا رواتب العاملين لديها، وذلك من خلال الموافقة للبنك المركزي الأردني على مخاطبة البنوك التجارية لتقديم هذه التسهيلات والمساعدة في جدولة وتقسيط المستحقات المالية المترتبة عليها، وذلك حتى تاريخ 2026/12/31م.
ويأتي القرار لدعم المنشآت السياحية وتمكينها من مواجهة تداعيات الأزمة الإقليمية التي أثرت بشكل كبير على القطاع السياحي، وبهدف استدامة عمل القطاع، والحفاظ على فرص العاملين فيه، وتمكينه من مواجهة التحديات المالية والتشغيلية التي يواجهها، والحفاظ على الاستثمارات القائمة في هذا القطاع.
يشار إلى أن حجم الدخل السياحي ارتفع خلال العام الماضي بنسبة 7.6 % ليبلغ 7.790 مليار دولار مقارنة بانخفاض نسبته 2.3 % ليبلغ 7.238 مليار دولار خلال عام 2024، ويعود ذلك إلى ارتفاع عدد السياح بنسبة 15.3 % حينها.
ووفقا لتقديرات رسمية سابقة يبلغ العاملون في القطاع السياحي نحو 56 ألف عامل وعاملة، موزعين على أكثر من 3.370 منشأة.
الموسم السياحي لربيع وصيف وخريف عام 2026 في مهب الريح
وقال العين ميشيل نزال، رئيس لجنة السياحة والتراث في مجلس الأعيان، إن الوضع الراهن للقطاع السياحي في الأردن يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي أدت إلى تراجع أعداد السياح وإلغاء الكثير من الحجوزات، بما يهدد الموسم السياحي لربيع وصيف وخريف عام 2026، لا سيما بعد أزمات متلاحقة عانى منها القطاع في السنوات الأخيرة، مثل جائحة كورونا والعدوان الإسرائيلي على غزة خلال العامين الماضيين.
واعتبر نزال أن الخطوات التي اتخذتها الحكومة لدعم صمود القطاع السياحي تعد خطوة جيدة حاليا، من خطوات وإجراءات أوسع يأمل أن تقدم الحكومة على اتخاذها في حال استمرت الحرب خلال الأشهر المقبلة.
وأشار نزال إلى أن لجنة السياحة والتراث في مجلس الأعيان والإجراءات التي أعلنت عنها الحكومة لدعم القطاع جاءت بعد تنسيق بين لجنة السياحة والتراث في مجلس الأعيان وعدد من الجهات الحكومية الاقتصادية المعنية كوزير السياحة والآثار، ونائب محافظ البنك المركزي الأردني، ومدير عام الضمان الاجتماعي، إضافة إلى مدير عام جمعية البنوك الأردنية، حيث رُفعت المطالب والتصورات التي طُرِحت خلال الاجتماع إلى مجلس الوزراء.
وأوضح نزال أن هناك جملة القرارات والإجراءات السريعة التي دعت اللجنة إلى اتخاذها خلال الاجتماع، وتتمثل بما يلي: تفعيل القروض الميسرة (2-3 %) لدعم المنشآت والأفراد، إضافة إلى إعطاء فترة سماح تصل إلى 36 شهرا لسداد القروض والفوائد، مع ضمان حكومي، إلى جانب السماح باستخدام التمويل لتسديد المستحقات المترتبة على المنشآت مباشرة للبنوك.
وبيّن كذلك أن اللجنة أوصت بإعادة جدولة مستحقات ضريبة الدخل وضريبة المبيعات، وإعفاء المنشآت المتضررة من الرسوم والتراخيص خلال العام 2026، وتفعيل برامج دعم سابقة نجحت خلال أزمة كورونا، وضمان استمرار خدمات المياه والكهرباء دون انقطاع بسبب تراكم المبالغ المستحقة على المنشآت.
ويضاف إلى ذلك أهمية تفعيل صندوق تطوير المنتج السياحي كأداة لإدارة المخاطر المستقبلية، مع مشاركة القطاع الخاص في دعم موازنته لضمان ديمومة استمراره أمام أي أزمات مقبلة، إلى جانب توجيه مؤسسة الضمان الاجتماعي بالاستمرار بتطبيق الإجراءات المتعلقة بتقسيط وتسديد المستحقات المترتبة على المنشآت السياحية دون أن يترتب على هذه المنشآت أي غرامات حتى نهاية عام 2026.
إطالة أمد الحرب تستدعي حزمة دعم جديدة
بدوره قال رئيس لجنة السياحة والآثار في مجلس النواب، سالم العمري، إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لدعم المنشآت السياحية وتمكينها من مواجهة تداعيات الأزمة الإقليمية التي أثرت بشكل كبير على القطاع السياحي، تبدو مقبولة إلى حد ما حتى هذه اللحظة، إذ ستؤدي دورا مهما في حماية القطاع واستدامته.
وأكد العمري أن المهم في هذه المرحلة بالنسبة للقطاع السياحي، الذي يعد أبرز القطاعات الحيوية للاقتصاد الوطني، هو تمكينه من حماية الاستثمارات القائمة ورفع قدرته على التعامل مع التحديات المالية والتشغيلية التي قد تواجهه، فضلا عن الحفاظ على فرص العاملين فيه واستدامتها.
ودعا العمري الحكومة إلى ضرورة تسريع صرف ردّيات ضريبة الدخل والمبيعات للقطاع السياحي دون الفائدة القانونية المحددة بـ 9 %، بما يساهم في توفير السيولة المالية للقطاع والإيفاء بالالتزامات التشغيلية الخاصة به.
وتوقع العمري أن تتخذ الحكومة حزمة جديدة من الإجراءات اللازمة لدعم القطاع في حال طال أمد الأزمات التي يواجهها والناجمة عن الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” ضد إيران، داعيا في هذا الصدد إلى أهمية توسيع نطاق الإعفاءات المقدمة للقطاع وإطالة أمدها، إضافة إلى استحداث برنامج حماية خاص بالأنشطة السياحية، علاوة عن المساهمة بجزء من رواتب العاملين في القطاع.
تدخل حكومي سريع
من جانبه، بيّن عضو مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال الأردنيين والنائب الثاني لغرفة تجارة عمان، بهجت حمدان، أن القرارات الحكومية الأخيرة تعكس إدراكا واضحا لحجم الأزمة وأهمية التدخل السريع للحفاظ على أحد أكثر القطاعات حيوية في الاقتصاد الوطني في ظل التحديات غير المسبوقة التي يواجهها قطاع السياحة في المملكة نتيجة التوترات الإقليمية، مبينا أن الخطوة تعد إيجابية ومباشرة، خصوصا أنها تستهدف شح السيولة لدى المنشآت السياحية وقدرتها على الاستمرار في تغطية نفقاتها التشغيلية، ومشيدا بتحمل الحكومة للفوائد على التسهيلات المالية مما يخفف عبئا كبيرا على المستثمرين في هذا القطاع، ويعطي إشارة ثقة بأن الدولة تقف إلى جانب القطاع في هذه المرحلة الحساسة.
وبين حمدان أن هناك خطوات أخرى لا بد من اتخاذها، حيث إن توفير التمويل يساعد على صمود القطاع، ولكن لا يعالج تراجع الإيرادات السياحية بشكل جذري، مبينا ضرورة تحفيز السياحة الداخلية عبر برامج مدعومة بما يساهم في تعويض جزء من تراجع السياحة الوافدة، وتقديم إعفاءات مؤقتة للمنشآت السياحية بما في ذلك الضرائب ورسوم الترخيص، والعمل على برامج دعم مباشر للأجور في حال استمرت الأزمة لفترة أطول لتفادي تسريح العمالة في القطاع.
من جهة أخرى، أكد حمدان أن القرار الحكومي يمثل استجابة سريعة، لكنه يجب أن يكون جزءا من حزمة أوسع من السياسات المالية والترويجية التي تستهدف الحفاظ على استدامة القطاع لضمان قدرته على التعافي السريع بمجرد تحسن الأوضاع الإقليمية، وتذليل إجراءات السير في القرارات الحكومية الصادرة بمنح التمويل اللازم لذلك.
متى سنبدأ التفكير خارج الصندوق؟
في السياق ذاته، قال الخبير في الشأن السياحي سليمان الفريجات إن الإجراءات الحكومية الأخيرة تحمل طابعا إيجابيا وتسهم في دعم القطاع السياحي في ظل الظروف الراهنة، من خلال التخفيف من حجم الخسائر وتمكين المنشآت من الصمود ولو جزئيا.
وأضاف الفريجات أن هذه الحزمة من الإجراءات ليست جديدة على المشهد الأردني، إذ تتكرر في كل أزمة، سواء خلال جائحة كورونا أو في أعقاب التوترات الإقليمية، وتشمل الإعفاءات، وتأجيل الالتزامات، وبرامج تحفيز السياحة المحلية.
وأكد أن الجهود التي تبذلها وزارة السياحة والحكومة في هذه المرحلة مقدرة، وقد تكون ضمن حدود الممكن، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تفكيرا استراتيجيا بعيد المدى، قائما على التشاركية بين مختلف الأطراف، لضمان استدامة القطاع وتعزيز قدرته على مواجهة الصدمات مستقبلا.
في الوقت ذاته أشار الفريجات إلى أن هذا النمط من الإجراءات التي تُحضَّر في أوقات الأزمات، رغم أهميته الآنية، يطرح تساؤلا جوهريا حول غياب الحلول غير التقليدية.
وتابع: السؤال الأهم اليوم هو متى سنبدأ التفكير خارج الصندوق، ووضع خطط إستراتيجية حقيقية تقلل من آثار الأزمات وتمنح القطاع قدرة أكبر على التعافي السريع؟ نحن بحاجة إلى مقاربات مختلفة، تقوم على شراكات إقليمية فاعلة، خصوصا مع وجهات قريبة مثل شرم الشيخ”.
وأوضح أن الظروف الحالية، بما فيها انقطاع بعض خطوط الطيران وارتفاع كلف السفر، تفتح نافذة أمام الأردن للاستفادة من موقع العقبة كمنفذ بديل، إلى جانب تفعيل دور الجسر العربي وخط القوارب نحو طابا، ضمن رؤية إستراتيجية واضحة تعزز التدفقات السياحية.
وبين الفريجات أن شرم الشيخ تضم نحو 50 ألف غرفة فندقية، ومع معدل إشغال يبلغ 50 %، فإن عدد السياح يصل إلى نحو 25 ألف سائح يوميا، وإذا تمكن الأردن من استقطاب حتى ألف سائح منهم لزيارة البتراء ووادي رم، فإن ذلك قد يشكل جزءا مهما من الحل.
وشدد على أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا تغني عن ضرورة إنشاء صندوق وطني لإدارة المخاطر في القطاع السياحي، يكون مؤسسيا ومستداما، ويفعل بشكل حقيقي عند الأزمات، بدلا من الاكتفاء بطرحه نظريا في كل مرة ثم غيابه لاحقا.
السياحة الداخلية محرك بديل للنشاط السياحي
إلى ذلك أكد الخبير نضال ملو العين أن الإجراءات الحكومية الحالية تمثل أفضل ما يمكن تقديمه في ظل الظروف الراهنة، وربما لا تحل المشكلة بشكل كامل، لكنها تقلل الضرر وتؤجل الخسائر مع إضفاء عنصر من الأمل والتفاؤل.
وأضاف ملو العين أن خسارة الموسم السياحي وتراكم الخسائر جعل القطاع في أضعف حالاته، ما يعني أننا سنحتاج بعد انتهاء الأزمة إلى إعادة بناء القطاع بالكامل وليس الاكتفاء بالتعافي فقط.
وأشار إلى أن السياحة الداخلية ستكون أول محرك للنشاط السياحي بمجرد بداية التهدئة في المنطقة، وهنا يبرز دور هيئة تنشيط السياحة في التركيز على تنويع المنتجات والأسواق السياحية، مع إعطاء الأولوية لسياحة الأفراد أكثر من الجروبات.
المصدر : صحيفة الغد – محمد ابو الغنم وعبدالرحمن الخوالدة




