الاقتصاد

“الاستثمار الأردني الأوروبي”…… كيف يمكن تحويل الزخم المتصاعد إلى شراكات حقيقية؟

ومع تأكيد مشاركة رئيسة المفوضية الأوروبية أوروسولا فون دير لاين، واستمرار الاستعدادات للمؤتمر بأقصى سرعة، يبدو الأردن أمام محطة اقتصادية مهمة لعرض فرصه الاستثمارية وبناء شراكات جديدة مع الشركات الأوروبية، في وقت تتوزع فيه المحفظة الاستثمارية المطروحة والمقدر حجمها بنحو 15 مليار دولار، على قطاعات حيوية تشمل الطاقة والتعدين، والنقل واللوجستيات، والمياه، والسياحة، والصناعة، والتكنولوجيا. 

ولا يقتصر الرهان على حجم الحضور، بل على القدرة على فتح مسار جديد أمام الاستثمارات الأوروبية في المملكة، وعليه يبرز السؤال الأهم هنا، كيف يمكن تحويل الزخم المتصاعد للمؤتمر إلى موجة جديدة من الاستثمارات والشراكات والمشاريع الملموسة؟ 
وفي هذا السياق، أكد اقتصاديون أن ارتفاع مستوى المشاركة الأوروبية في المؤتمر يعكس اهتماما متزايدا بالأردن موقعا للاستثمار والإنتاج والتصدير، مستفيدين من استقراره وموقعه الجغرافي وشبكة اتفاقياته التجارية، إلى جانب الفرص المتاحة في قطاعات الطاقة، والتعدين، والنقل، واللوجستيات، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والصناعة.
واعتبر هؤلاء الخبراء أن أهمية المؤتمر لا تتوقف عند حجم المشاركة أو عدد الفرص الاستثمارية المعروضة، وإنما في قدرته على تحويل هذا الزخم إلى لقاءات وشراكات ومشاريع قابلة للتنفيذ، وربط المستثمرين الأوروبيين بالفرص الأردنية والشركات المحلية بالشركاء الأوروبيين، بما يمكن أن يؤسس لصفحة جديدة للعلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين الجانبين.
ويرى الخبراء أن الظروف الإقليمية والمشاريع الكبرى التي يجري تطويرها في المملكة، إلى جانب الشراكة الإستراتيجية والشاملة بين الأردن والاتحاد الأوروبي، توفر أرضية مناسبة لتعزيز حضور الشركات الأوروبية في الأردن، وتحويل المملكة إلى منصة للإنتاج والتصدير، والوصول إلى أسواق المنطقة.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن يحمله المؤتمر من فرص وشراكات جديدة، يرى هؤلاء الخبراء أن القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذه المشاركة ستتحدد بمدى قدرة الأردن على ترجمة الاهتمام الأوروبي إلى مشاريع واستثمارات وشراكات طويلة الأمد، والاستفادة من الحضور النوعي للرؤساء التنفيذيين في بناء علاقات مباشرة تتجاوز حدود المؤتمر إلى تعاون اقتصادي أكثر اتساعا واستدامة. 

آخر المستجدات
وكان سفير الاتحاد الأوروبي لدى الأردن، بيير- كريستوف تشاتزيسافاس، كشف أن 200 رئيس تنفيذي على الأقل أكدوا مشاركتهم في مؤتمر “الاستثمار الأردني الأوروبي”، أكثر من نصفهم أوروبيون.

وأكد تشاتزيسافاس، خلال لقائه عددا من الصحفيين مؤخرا، مشاركة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، لافتا  إلى أن عدد المشاركين الأوروبيين الذين أكدوا وسجلوا مشاركتهم حتى الآن يقدر بنحو 100 رئيس تنفيذي أوروبي. 
وفي الأثناء، عكفت الحكومة في الأسابيع الأخيرة وبمشاركة وفود وزارية على عقد مباحثات مع قيادات شركات ومؤسسات اقتصادية أوروبية، حول فرص الاستثمار في المملكة، وسبل توسيع الشراكات بين المملكة وعدد من الدول الأوروبية، والتحضير لمشاركة تلك الدول في مؤتمر “الاستثمار الأردني–الأوروبي”، المقرر في 19 من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، في عمان. 
وتم إطلاق فكرة هذا المؤتمر خلال الزيارة الملكية إلى بروكسل مطلع العام الماضي، لتوقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية بين الأردن والاتحاد الأوروبي (2025 -2027) إذ تم إقرار عقد المؤتمر في نيسان (إبريل) الماضي، قبل أن يتم تأجيله بسبب الظروف الأمنية التي تمر بها المنطقة.
ويهدف المؤتمر إلى دعم الأردن لتعزيز إمكانياته الاقتصادية والتنموية، خاصة بعد أزمة اللجوء السوري والظروف التي شهدها الأردن على مدار السنوات الماضية.   
وأجريت تلك المباحثات في عدد من المدن الأوروبية، منها ميلانو وميونخ وباريس، وضمت الوفود كلا من: وزيرة التخطيط والتعاون الدولي زينة طوقان، ووزير النقل والعمل نضال القطامين، ووزير الطاقة والثروة المعدنية صالح الخرابشة، ووزير الاستثمار طارق أبو غزالة، وسفراء الأردن في تلك الدول، فضلا عن رئيس مجلس إدارة شركة المدن الصناعية الأردنية عبيد ياسين.
كما سبق هذه المحادثات كشف الحكومة النقاب عن محفظة الفرص الاستثمارية التي سيجري طرحها خلال المؤتمر، التي تقترب قيمتها من 15 مليار دولار، موزعة على 15 قطاعا وقطاعا فرعيا.

 منصة عملية لإطلاق شراكات ومشاريع استثمارية جديدة
واعتبر رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين، أيمن العلاونة، أن ارتفاع عدد الرؤساء التنفيذيين المؤكد حضورهم، قبل أسابيع من انعقاد المؤتمر، يؤكد مستوى الاهتمام المتزايد بالاقتصاد الأردني والفرص الاستثمارية المتاحة، ويعزز فرص تحويله إلى منصة عملية لإطلاق شراكات ومشاريع استثمارية جديدة.

وأكد العلاونة أن اهتمام المستثمرين الأوروبيين بالفرص الاستثمارية في الأردن، يرتبط بما تتمتع به المملكة من موقع إستراتيجي، وكفاءات بشرية، واتفاقيات تجارية، إلى جانب الفرص المتاحة في قطاعات واعدة، وفي مقدمتها الطاقة المتجددة، والصناعات الدوائية والغذائية، وتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي، والمياه، والسياحة، والنقل والخدمات اللوجستية، والتعدين والصناعات المرتبطة به.
وأوضح أن هذه القطاعات، توفر فرصا تتجاوز الاستثمار المباشر إلى إقامة شراكات اقتصادية ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتطوير سلاسل القيمة، والوصول إلى أسواق جديدة، بما يعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني ويرفع قدرة الشركات الأردنية على الاندماج في الأسواق الأوروبية والعالمية.
وأشار إلى أن تحويل الفرص الاستثمارية المطروحة خلال المؤتمر إلى مشاريع فعلية، يتطلب التركيز على المشاريع ذات الجاهزية العالية، والمدعومة بدراسات الجدوى والمعلومات الفنية والمالية اللازمة، إلى جانب توفير منصة فعالة للقاءات الثنائية بين المستثمرين والشركات والجهات المعنية.
وأكد أن عددا من الفرص المطروحة في قطاعات الطاقة، والمياه، والصناعة، والاقتصاد الرقمي، والسياحة، والخدمات اللوجستية، يمكن أن تشكل أساسا لشراكات جديدة بين القطاعين الخاص الأردني والأوروبي، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بالاستثمارات المستدامة، والتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر.
وشدد العلاونة على أهمية وجود آلية واضحة لمتابعة مخرجات المؤتمر بعد انعقاده، بما يضمن استمرار التواصل بين المستثمرين الأردنيين والأوروبيين ومتابعة الفرص التي تحظى باهتمام مشترك، مشيراً إلى أن نجاح المؤتمر يقاس بقدرته على تحويل الاهتمام والحضور الكبيرين إلى استثمارات وشراكات ومشاريع فعلية على أرض الواقع.

مجتمع الأعمال الأوروبي.. اهتمام وثقة متزايدة بالأردن
من جانبه، قال رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الأردن، محمد الصمادي: “إن وصول عدد الرؤساء التنفيذيين المؤكدين للمشاركة في مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي إلى نحو 200، وأكثر من نصفهم من أوروبا، قبل أسابيع من انعقاده، يمثل مؤشرا مهما على حجم الاهتمام الذي بات يحظى به الأردن لدى مجتمع الأعمال الأوروبي، خصوصا أن الحديث يدور عن أصحاب قرار في شركات ومؤسسات استثمارية، لديهم القدرة على الانتقال من مرحلة استكشاف الفرص إلى اتخاذ قرارات استثمارية فعلية”.

وأوضح الصمادي أن أهمية هذا الرقم لا تكمن في حجم المشاركة بحد ذاته، وإنما في نوعية الحضور وما يمكن أن ينتج عنه، مشددا على أن التحدي يتمثل في استثمار وجود هذا العدد من أصحاب القرار في مكان واحد لبناء لقاءات مباشرة وموجهة بين المستثمرين والفرص الأردنية، وبين الشركات الأردنية ونظيراتها الأوروبية، وتحويل هذه اللقاءات إلى مسارات واضحة لمشاريع وشراكات قابلة للتنفيذ.
وأشار إلى أن مجموعة من العوامل تجعل الأردن أكثر أهمية بالنسبة للمستثمر الأوروبي، وفي مقدمتها الاستقرار والموارد البشرية المؤهلة، إلى جانب وجود قاعدة صناعية وتكنولوجية جيدة، وقطاعات تتقاطع مع الأولويات الاستثمارية الأوروبية، مثل الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، والصناعات ذات القيمة المضافة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية.
وأضاف: “إن الزخم الذي وفرته الشراكة الإستراتيجية والشاملة بين الأردن والاتحاد الأوروبي، التي تتضمن حزمة مالية واستثمارية بقيمة 3 مليارات يورو للفترة 2025-2027، منها نحو 1.4 مليار يورو استثمارات إضافية مستهدفة، يوفر إطارا مهما للانتقال بالعلاقات الأردنية الأوروبية إلى مستوى أعمق من الاستثمار والتعاون الاقتصادي”.
وفيما يتعلق بالفرص الاستثمارية، أوضح الصمادي أن الأهمية لا تكمن في حجم المحفظة الاستثمارية المعروضة فقط، وإنما في مدى جاهزية المشاريع وقدرة الأردن على مطابقتها مع المستثمر المناسب، مبينا أن الفرص تشمل الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والتعدين، والنقل، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والرقمنة، ومراكز البيانات، والصناعة وغيرها.
وأشار الصمادي إلى أن دور القطاع الخاص وغرفة التجارة الأوروبية في الأردن، يتمثل في بناء جسور عملية بين مجتمع الأعمال الأردني ونظيره الأوروبي، من خلال شبكات العلاقات مع الغرف ومؤسسات الأعمال والشركات الأوروبية، وربط المستثمر الأوروبي بالفرصة المناسبة في الأردن، وفي الاتجاه الآخر ربط الشركات الأردنية بالشريك الأوروبي المناسب، سواء للاستثمار أو التجارة أو التصنيع أو نقل التكنولوجيا، مبينا أن هذا العمل بدأ فعليا قبل المؤتمر من خلال التواصل والزيارات واللقاءات مع مجتمعات الأعمال الأوروبية. 
وأكد الصمادي أن المؤتمر يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية الأردنية الأوروبية، إلا أن المقياس الحقيقي لنجاحه يبدأ في اليوم التالي لانعقاده، من خلال رصد عدد المستثمرين الذين انتقلوا من مرحلة الاهتمام إلى دراسة المشاريع، والمشاريع التي وصلت إلى مرحلة التفاوض أو الإغلاق المالي، والشراكات التي نشأت بين الشركات الأردنية والأوروبية، والاستثمارات التي وصلت فعليا إلى مرحلة التنفيذ.

فرصة لأوروبا لتعزيز العلاقات
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن مؤتمر “الاستثمار الأردني الأوروبي الأول” يحظى بأهمية استثنائية في ظل الظروف الإقليمية التي ينعقد فيها، مشيرا إلى أن الأردن حافظ، من بين دول المنطقة، على أمنه واستقراره وقدرته على إدارة علاقاته الإقليمية والدولية بهدوء واستدامة، مما عزز موقعه شريكا موثوقا للاتحاد الأوروبي.

واعتبر عايش أن تسجيل هذا العدد الكبير من الرؤساء التنفيذيين الأوروبيين للمشاركة في المؤتمر، قبل نحو شهرين من موعده، يعكس رغبة متزايدة في بناء علاقات استثمارية وتجارية وصناعية مع الأردن، مستفيدين من موقعه الجغرافي ودوره اللوجستي في المنطقة، خصوصا في ظل المشاريع المرتبطة بالنقل والسكك الحديدية وسلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة عززت أهمية الموقع الأردني بالنسبة للأوروبيين، باعتبار المملكة فرصة مستقبلية لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع المنطقة، لافتا إلى أن المستثمرين الأوروبيين لا يأتون فقط لاستطلاع الفرص الأردنية، وإنما أيضا للنظر في إمكانية استخدام موقع المملكة واستقرارها بوابة إلى أسواق المنطقة.
وبين عايش أن تنامي العلاقات التجارية بين الأردن والاتحاد الأوروبي يعزز الاهتمام بالفرص الاستثمارية، مشيرا إلى النمو الكبير في الصادرات الأردنية، وإلى ارتفاع حصة الاتحاد الأوروبي من التجارة الأردنية، ما يعكس، بحسبه، زيادة الاعتمادية الاقتصادية والتجارية المتبادلة بين الجانبين.
ولفت عايش إلى أن الفرص الاستثمارية لا تقتصر على قطاع بعينه، وإنما تشمل التصنيع المشترك، والصناعات الغذائية، واللوجستيات، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والطاقة المتجددة، والتقنيات النظيفة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والمياه والبنية التحتية، إلى جانب فرص تصديرية غير مستغلة يمكن العمل على تحويلها إلى صادرات إضافية للأسواق الأوروبية.
وأضاف: “المشاريع الاقتصادية الكبرى التي يجري تطويرها في المملكة، بما فيها الناقل الوطني، ومشاريع الطاقة، وغاز الريشة، والسكك الحديدية، وغيرها من المشاريع الواردة ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، توفر أرضية واسعة أمام المستثمرين الأوروبيين، خصوصا أن جزءا من الفرص الاستثمارية المطروحة مدعوم بدراسات جدوى، ومنصات متخصصة لعرضها على المستثمرين”.
وأشار إلى أن الشراكة الإستراتيجية بين الأردن والاتحاد الأوروبي توفر كذلك أدوات تمويلية واستثمارية يمكن أن تساعد في تحويل الفرص إلى مشاريع فعلية، إلى جانب البرامج الأوروبية الداعمة لتمكين المرأة والشباب، وتوفير فرص العمل، ما يعزز الأثر الاقتصادي والاجتماعي المتوقع للاستثمارات الجديدة.
وأكد عايش أن المؤتمر يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز لتحويل الشراكة الإستراتيجية بين الأردن والاتحاد الأوروبي إلى شراكات اقتصادية واستثمارية ملموسة، وصولا إلى تعزيز دور المملكة مركزا إقليميا للشركات الأوروبية في المنطقة، معتبرا أن الفرصة أمام الأردن تكمن في تحويل موقعه واستقراره وعلاقاته الدولية إلى قيمة اقتصادية واستثمارية فعلية.

الغد – عبد الرحمن الخوالدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى