الاتصالاتالتواصل الاجتماعي

الأطفال والمخاطر الرقمية.. هل بدأ الأردن إجراءات نوعية للحماية؟

رقمنة 

شكل الإعلان رسميًا عن تشكيل لجنة وطنية لحماية الأطفال من مخاطر استخدام منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت خطوة نوعية نحو استدامة منظومة حماية الأطفال، في وقت تتجه فيه دول العالم نحو حظر وتنظيم هذه الاستخدامات بسبب آثارها السلبية على الأجيال القادمة صحياً وتربوياً وأخلاقياً.

ورغم شح الدراسات المحلية حول تأثير استخدام الأطفال للمحتوى الرقمي، إلا أن التشريعات الحالية التي تنظم عمل منصات التواصل الاجتماعي، والمقيدة باشتراطات شركات التكنولوجيا المشغلة لهذه المنصات، لا تراعي بشكل كامل معايير حماية مصلحة الطفل الفضلى، بما في ذلك خصوصيات المجتمع العربي وثقافته.

وفي هذا السياق، اعتبر مختصون في الحماية الاجتماعية وحماية الطفولة، أن استحداث لجنة وطنية واسعة التمثيل يشكل خطوة رائدة نحو تحقيق السلامة الرقمية للأطفال واليافعين دون سن 18 عاما، خاصة وأن التشريعات المحلية لم تعالج حتى الآن تنظيم الاستخدام لهذه الفئة العمرية، واقتصرت النصوص النافذة على مبادئ توجيهية عامة لحماية الطفولة ومنع استغلالها، كما في قانون حقوق الطفل لسنة 2022، والقوانين الجزائية مثل قانون الجرائم الإلكترونية وقانون الأحداث، التي تجرم الإساءة للأطفال ومعاقبة مرتكبيها.

وبحسب الإعلان الحكومي، ترأس اللجنة الموسعة هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، بمشاركة عدد من الجهات المعنية، بمن في ذلك ممثلو شركات الاتصالات، وزارة التنمية الاجتماعية، وإدارة حماية الأسرة والأحداث، والمجلس الوطني لشؤون الأسرة، وغيرها من الجهات الرسمية والخاصة المعنية.
وسبق إعلان اللجنة تحريك عدة مذكرات نيابية طالبت بحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي على من هم دون سن 18 عامًا في المملكة، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول التوازن بين الحظر والتنظيم الوقائي.

وستعمل اللجنة وفق تصريحات رئيسة مجلس مفوضي الهيئة لارا الخطيب على عدة مسارات، منها المسار التنظيمي والفني لبناء منظومة وطنية متكاملة، والمسار التوعوي الذي يتعامل مع التحديات الرقمية بجدية ووعي، بالإضافة إلى تطوير السياسات والبرامج التي تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول للإنترنت.

تضافر جماعي للحماية
وفي هذا الإطار، أشاد الأمين العام للمجلس الوطني لشؤون الأسرة الدكتور محمد مقدادي بالإجراءات الحكومية الأخيرة، مشيرًا إلى أهمية مشاركة القطاعين العام والخاص في هذا الملف، وقال: “قضية حماية الأطفال عبر الإنترنت ليست مسألة قانونية فقط، ولا أسرية أو تربوية فقط، بل تتطلب تضافر جميع الأطراف لحماية الأطفال من الابتزاز، والاستغلال عبر منصات التواصل، والتنمر، وغيرها.”
وأضاف مقدادي أن إشراك شركات الاتصالات خطوة ضرورية لضمان وضع إجراءات سليمة وفعالة، مؤكداً أن البيئة التشريعية الأردنية داعمة لهذه الجهود، ومشيرا إلى المادة الثامنة من قانون حقوق الطفل لسنة 2022 التي تلزم جميع الجهات المختصة بتبني سياسات وإجراءات تحول دون تعرض الأطفال للاستغلال بأي وسيلة كانت، موضحًا أن اللجنة تقع على عاتقها مسؤولية وضع آليات عملية لتطبيق هذه المادة ومتابعة مدى نجاعة الإجراءات في حماية الأطفال.
كما شدد على أهمية التوعية الأسرية والتربوية، قائلاً: “لا نريد تخويف الناس من الإنترنت أو منصات التواصل، بل يجب أن يكون هناك حرص من الأسر، وأن يكون الأطفال أكثر وعياً بالمخاطر، مع دور أساسي للتربية في تحديد الوقت المناسب لاستخدام الإنترنت وفهم أن ما يتعرضون له أو يمارسونه قد يكون جريمة.”
وأشار مقدادي إلى جاهزية الأردن في الاستجابة للانتهاكات الرقمية ضد الأطفال، من خلال مديرية الأمن العام، وإدارة البحث الجنائي، ووحدة الجريمة الإلكترونية، ووحدة الدعم الفني في إدارة حماية الأسرة والأحداث، مشددا على أهمية الوقاية المبكرة والتوعية المستمرة لكل الأطراف، بمن في ذلك الأطفال أنفسهم.

فجوة معرفية
وأظهرت دراسة حديثة لمؤسسة “أناليسيز” الأردنية للدراسات والأبحاث، توافق عينة من الأردنيين على ضرورة فرض ضوابط قانونية وإجراءات وقائية لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، وكشفت عن فجوة كبيرة في معرفة الأهالي بالمخاطر الرقمية، حيث كانت المخاوف الأساسية تتعلق بالمحتوى غير اللائق، في حين جاء الخوف من العزلة والتنمر وتراجع التحصيل العلمي في مراتب أدنى.
وبحسب هذه الدراسة، أيّد 90 % من العينة المستجيبة سن تشريع يقيد وصول الأطفال بعمر 15 عاما فما دون إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وبرزت سن السابعة عشرة بوصفها العمر الأكثر قبولا للاستخدام المستقل لمواقع التواصل الاجتماعي.
وتنص اتفاقية حقوق الطفل الأممية التي يعد الأردن طرفا فيها، على مجموعة من الحقوق التي يمكن ترجمتها اليوم لحماية الأطفال في البيئة الرقمية؛ إذ تؤكد حق الطفل في الحماية من العنف والاستغلال والإساءة، بما يشمل التحرش الرقمي أو استغلال الأطفال لإنتاج محتوى ضار، وحق الطفل في الخصوصية وحماية بياناته الشخصية على الإنترنت، وحقه في التعبير والوصول للمعلومات بشكل آمن وملائم لسنه، مع مراعاة حماية مصلحته العليا في جميع الإجراءات.

توافقات متوازنة
من جانبها، قالت المديرة التنفيذية لمركز العدل للمساعدة القانونية، هديل عبدالعزيز، إن تشكيل اللجنة خطوة مهمة جدًا لمواكبة التطورات الرقمية المتسارعة، مؤكدة أن تنوع اختصاصات اللجنة سيؤدي إلى توافقات عملية متوازنة تراعي احتياجات الأطفال ومتطلبات العصر. 
وأضافت عبد العزيز أن “التركيز الأساسي يجب أن يكون على محو الأمية الرقمية لدى الأطفال والأهالي، وليس الهدف فرض حظر أو عقوبات عليهم، بل وضع إجراءات تنظيمية عملية تلزم شركات منصات التواصل الاجتماعي بتبني سياسات حمائية، تراعي الفئات العمرية وتحجب المحتوى غير الآمن.”
وعالميًا، كانت أستراليا أول دولة تعتمد قانونًا يحظر على الأطفال دون 16 عامًا استخدام منصات التواصل مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، مع فرض غرامات كبيرة على الشركات المخالفة، وفي إسبانيا، تمت مناقشة خطط لحظر الاستخدام لمن هم تحت 16 عامًا، مع تطبيق نظام تحقق من العمر، فيما أقرّت فرنسا تشريعات تلزم موافقة الوالدين للأطفال دون 15 عامًا، وتبحث أيضًا حظرًا كاملًا. 
عربياً، بدأت مصر بإعداد مشروع قانون مشابه مع فرض غرامات على المنصات واشتراطات تحقق العمر، بينما في الإمارات تم إدخال تشريعات تركز على سلامة الأطفال عبر تصنيف المحتوى وزيادة الرقابة دون حظر كلي.

تحديات السلام الرقمي
وفي تعليقها، قالت الخبيرة  في قضايا الطفولة والحماية الاجتماعية نادين النمري، إن اللجنة خطوة مهمة جدًا لمواجهة تحديات السلام الرقمي، مؤكدة أن الضبط لا يعني الحظر بل وجود ضوابط قانونية واضحة وآليات فعّالة. 
وأضافت النمري: “اللجنة يجب أن تتوسع لتشمل الإطار التشريعي والقانوني والإجراءات الوقائية، ورفع الوعي، والتعامل مع حالات الإساءة والعنف الرقمي ضد الأطفال، هناك قضايا تشريعية بحاجة لمعالجة، مثل استغلال الأطفال لإنتاج محتوى رقمي، وهي ظاهرة متزايدة أحيانًا حتى بين الأهالي.”
وتطرقت النمري إلى إشكاليات قانون الجرائم الإلكترونية، مثل عدم فرض غرامة على الأطفال، ما يستدعي إعادة النظر، مؤكدة أهمية التعامل مع الأدلة الرقمية بعد انتهاء التحقيقات وحفظها لاستخدامها عند الحاجة، ومراعاة مسألة تقديم الشكاوى عند بلوغ الطفل، وتطبيق التقادم على المحتوى الرقمي المستمر.” 
ورأت أن الهدف الأساسي من التنظيم، هو “توفير بيئة إنترنت آمنة للأطفال للمعرفة والمشاركة ضمن شروط عمرية مناسبة، مع فضاء رقمي آمن ومثمر يعزز قدراتهم ويحميهم من المخاطر.” 
واعتبرت أن إجراءات دراسات تستند أيضا إلى آراء الأطفال من مختلف الفئات العمرية، من شأنها أن تدعم إجراءات التنظيم لمعرفة بدقة ما الذي يخشاه “اليافعون” في العالم الرقمي”.
وأضافت: “هناك تباينات بين الأهل والأطفال، حيث يركز الأطفال على تأثير المنصات على الصورة الذاتية لهم والثقة بالنفس والضغوط النفسية الناجمة عن الحضور الدائم على الانترنت، والاستماع إلى صوت الأطفال ورغباتهم ومخاوفهم هو خطوة لضمان تحقيق اللجنة الغاية المطلوبة منها”.

المصدر : صحيفة الغد – هديل غبون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى