
رقمنة – خاص
كشف تقرير السعادة العالمي لعام 2026، الصادر عن جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة غالوب، عن تراجع ملحوظ في مستويات السعادة ورضا المواطنين عن حياتهم في الأردن، حيث صُنّفت المملكة ضمن مجموعة صغيرة من ثماني دول شهدت أكبر انخفاض في تقييمات الحياة بأكثر من نقطة كاملة على مقياس من صفر إلى عشر نقاط مقارنة بالفترة المرجعية 2006-2010.
وجاء الأردن إلى جانب كل من أفغانستان وملاوي ولبنان وفنزويلا وبوتسوانا ومصر واليمن في قائمة الدول الأكثر تراجعاً، وأشار التقرير إلى أن معظم هذه الدول تقع في مناطق النزاعات الكبرى أو بالقرب منها.
وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية في المنطقة العربية
خصّص التقرير فصلاً كاملاً (الفصل التاسع) لدراسة العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والرفاه النفسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي المنطقة التي تُعدّ من أعلى مناطق العالم استخداماً لهذه المنصات. وتشير بيانات استطلاع غالوب العالمي لعام 2022 إلى أن نسبة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة تبلغ نحو 74%، وهي نسبة قريبة جداً من أوروبا وأمريكا الشمالية البالغة 76%.
وبحسب بيانات البارومتر العربي للفترة 2023-2024، فإن أكثر من 80% من المستطلعين في معظم دول المنطقة يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، فيما يقضي ما بين 20% و40% من المستخدمين أكثر من خمس ساعات يومياً على هذه المنصات.
الاستخدام المكثف مرتبط بتراجع الرفاه
أظهرت نتائج التقرير أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، الذي يتجاوز خمس ساعات يومياً، يرتبط بشكل واضح بانخفاض مستويات الرفاه النفسي. فقد أفاد 34.5% من المستخدمين المكثفين بأنهم يشعرون بأعراض اكتئابية بشكل متكرر، مقابل 28.1% فقط بين المستخدمين المعتدلين وغير المستخدمين. كما أبلغ 39% من المستخدمين المكثفين عن شعورهم بالتوتر بشكل متكرر مقابل 33.8% بين غيرهم.
واللافت أن حجم تأثير الاستخدام المكثف لوسائل التواصل على أعراض الاكتئاب يتجاوز ضعف الفارق في هذه الأعراض بين العاملين والعاطلين عن العمل، مما يشير إلى حجم التأثير الكبير لهذه المنصات على الصحة النفسية في المنطقة.
الأردن ومعادلة الأخبار الرقمية
أشار التقرير إلى أن نسبة الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار في الأردن تبقى أقل مقارنة ببقية دول المنطقة وتتسم بالاستقرار، على خلاف لبنان وفلسطين حيث تشهد هذه النسبة ارتفاعاً متواصلاً. ويبدو أن مستوى الثقة بمصداقية الأخبار التلفزيونية مقارنة بأخبار وسائل التواصل يلعب دوراً محورياً في تفسير هذه الفروقات.
المؤثرون الرقميون وجودة الحياة
كشف التقرير عن ظاهرة لافتة تتعلق بدور المؤثرين الرقميين، إذ أن 63% من مستخدمي وسائل التواصل في المنطقة يتفاعلون مع محتوى المؤثرين. وأظهرت البيانات أن المستخدمين المكثفين الذين يتابعون المؤثرين ويجربون توصياتهم هم أكثر عرضة بنسبة 8 نقاط مئوية للشعور بأن جودة حياتهم أسوأ من جودة حياة آبائهم، مقارنة بنظرائهم الذين لا يتابعون المؤثرين.
ويُعزى ذلك إلى أن متابعة المحتوى المثالي والمُنمّق الذي يقدمه المؤثرون تعزز المقارنات الاجتماعية التصاعدية وترفع سقف التوقعات بصورة قد لا تتوافق مع الواقع المعاش.
الشباب العربي بين الطموح والإحباط
ربط التقرير بين هذه النتائج وما سمّاه “تأثير النفق” الذي وصفه الاقتصادي هيرشمان، حيث أن التعرض المستمر لقصص النجاح الانتقائية عبر وسائل التواصل يولّد في البداية تفاؤلاً وطموحاً لدى الشباب، لكن عندما تبقى فرص التقدم محدودة، يتحول هذا التفاؤل إلى إحباط. ويتجلى هذا بشكل خاص في السياق العربي، حيث يتمتع الشباب بمستويات تعليمية أعلى واتصال رقمي أكبر من آبائهم، لكنهم يواجهون فرص عمل محدودة وآفاقاً ضيقة للحراك الاجتماعي.
التوصيات وآفاق المستقبل
خلص الفصل التاسع من التقرير إلى أن العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والرفاه ليست خطية بسيطة، بل تعتمد على كثافة الاستخدام ونوعه والسياق الاجتماعي والثقافي المحيط. فمنصات التواصل الخاص مثل واتساب ترتبط بنتائج إيجابية عند استخدامها لتعزيز الروابط الأسرية، بينما ترتبط المنصات البصرية مثل تيك توك وإنستغرام بنتائج سلبية، خاصة فيما يتعلق بصورة الجسد واحترام الذات.
ويدعو التقرير إلى ضرورة تجاوز السرديات الحتمية حول تأثير وسائل التواصل، والتركيز بدلاً من ذلك على فهم الأنماط المحددة للاستخدام التي ترتبط بتراجع الرفاه، مع إيلاء اهتمام خاص للعوامل الثقافية والاجتماعية المميزة للمنطقة العربية.
يُذكر أن تقرير السعادة العالمي يصدر سنوياً منذ عام 2012، ويعتمد بشكل رئيسي على بيانات استطلاع غالوب العالمي، ويُقيّم مستوى سعادة الشعوب استناداً إلى تقييمهم الذاتي لحياتهم على سلم من صفر إلى عشر نقاط، مع الأخذ بعين الاعتبار عوامل مثل الناتج المحلي الإجمالي ومتوسط العمر الصحي المتوقع والدعم الاجتماعي والحرية والكرم ومستويات الفساد.



